منصّة «أكتر» السويد
ينقسم السويديون بين أغلبية ترى أنّ على الدولة المركزية أن تلعب دوراً أكبر في المجتمع، وأن تسيطر بشكل خاص على الرعاية الصحية والمدارس، وبين أقليّة تدفع ناحية لا مركزية أكبر ضمن ما يسمّى (التوطين)، أو منح سلطات أكبر حتّى للسلطات البلدية والمحلية الأخرى. فلماذا يزداد الجدل حول هذه المسألة؟ وهل هناك حاجة لمركزية أكبر؟
الغالبية مع المركزية
في استطلاع لجامعة يوتوبوري على طول السويد، أجاب 65% من المواطنين بأنّ على الدولة المركزية أن تكون المسؤولة عن الرعاية الصحية بدلاً من المقاطعات، مقابل 12% اعتبروا الفكرة سيئة. ورأى 60% بأنّ على الدولة أن تكون المسؤولة عن المدارس، بينما وقف ضدّ الأمر 14%.
يعلل مدير الاستطلاع يوهان مارتنسون هذه النتيجة بأنّها تعكس الثقة بأنّ الدولة قد تكون ضامناً أكبر للمساواة في تلقي الخدمات، وإصلاح المشاكل في القطاعين

يعلّق اختصاصيّ العلوم السياسية غوران سوندسترم من جامعة ستوكهولم على الأمر بأنّ الرعاية الصحية والمدارس يعبران عن دولة الرفاه، ولهذا يثق الشعب بالدولة المركزية أكثر في الحفاظ عليهما. وبأنّ الخصخصة التي لحقت بدولة الرفاه مع منح السلطات المحلية سلطات أكبر، أدّت لخلق نظام مكسور ومتشظي. ولهذا عادت المطالبات لتولي الأمر مركزياً إلى الواجهة.
لا يقتصر النقاش حول دور أكبر للدولة المركزية على الرعاية الصحية والمدارس، بل تخطاهما للعديد من المجالات. كمثال: إعلان الحكومة أنّ الدولة هي من ستتحمل مسؤولية صيانة السكك الحديدية التي تعرضت لتلف كبير بسبب تعريض المجال للمنافسة.

لكن في مجالي الرعاية الصحية والمدارس، حتّى الأحزاب البرجوازية التي وقفت تاريخياً مع الخصخصة ومنح سلطات أكبر للبلديات، تدعو بجزء منها إلى زيادة مسؤولية الدولة، مثل الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يضع ضمن برنامجه رعاية صحية تقودها وتملكها الدولة. يجعلنا هذا نقف في حيرة وأن نسأل من يقف ضدّ تعزيز دور الدولة إذاً!
الصراع التاريخي
منذ الستينيات كان اليسار السياسي يريد تعزيز المركزية، حيث رآها طريقة لتقديم دولة رفاه متساوية وعادلة. بينما رفضت الأحزاب البرجوازية هذه المركزية وأرادت الدفاع عن الوضع المستقل للبلديات.
تمّ تطبيق المركزية في التعليم عبر المجلس الوطني للتعليم. وكان السبب بحسب بروفسور العلوم السياسية من جامعة أوميو، أندرس ليندستروم، هو تحقيق المساواة المطلقة في التعليم من جميع النواحي: (فإن ترك الطالب مدرسته في إيستاد يوم الجمعة، يمكنه الاستمرار من حيث توقف في أباراندا يوم الاثنين).
رغم النجاح الدراسي الذي حققته التجربة، فقد تعرضت لانتقادات، وخاصة من الطبقة الثرية والوسطى في المدن، التي طالبت بمزيد من الفردية.
كانت الأحزاب البرجوازية هي صاحبة الانتقادات، ولكن جزء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي أيضاً انضمّ لهذه الانتقادات خوفاً من خسارة دعم الطبقة الوسطى المدنية. ونجم عن ازدياد قوة هذا التيار في 1989 أن تمّ نقل سلطات تشريع المدرسين و"قادة المدارس" إلى البلديات.

في بداية الألفية، قامت منظمة التعاون والتنمية بإجراء قياس لنتائج تطبيق السياسات الجديدة، ليظهر القياس وجود تدهورٍ حادّ في قطاع التعليم السويدي. وجاء في التقرير بأنّ التلاميذ السويديين فقدوا سنوات من الخبرة والتعليم بالمقارنة مع أيام السيطرة المركزية للدولة.
استمرّت نتائج التعليم السويدي بالتدهور. وإلى جانب التدهور المعرفي للتلاميذ، باتت الفوارق بين المدارس مخيفة، حيث باتت الخلفية الطبقية للتلاميذ تلعب دوراً هاماً في تحصيلهم الدراسي وأدائهم.
الصمت والتهرّب
لم يكن لأحد من أحزاب البرلمان أن ينكر النتائج الكارثية، ولهذا فحتى بعض الأحزاب البرجوازية مثل الحزب الليبرالي، تدعم حزب اليسار وحزب الاشتراكيين الديمقراطيين بمطلب مركزة السيطرة على المدارس.
لكن ليس جميع الأحزاب لديها موقف واضح في هذا الخصوص، وتنتظر نتائج اللجنة الحكومية التي ستضع نتائجها قبل الانتخابات القادمة بعدّة أشهر. لا يرى المحافظون على سبيل المثال بأنّه من الممكن تحقيق المركزة اليوم.
يبدو أنّ بعض الأحزاب البرجوازية، وقسماً من حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، لا يريدون تغيير أسلوب السوق الخاص الذي يحكم المدارس في السويد، بل يريدون طريقة تسمح بالتغيير ضمن هذه الإدارة السوقية. يبدو هذا واضحاً كمثال في التصريحات المبهمة التي تقولها وزيرة التعليم آنّا إيكستروم عن البحث عن كيفية رسم الخطوط وخلافه.

الأمر ذاته
ينطبق الأمر ذاته على الرعاية الصحية وتحويل السيطرة عليها إلى الدولة. حيث تزايدت في الفترة الأخيرة الجدالات حول الأمر، وتمّ إطلاق تحقيق حكومي في 2019 لاكتشاف سبل تعزيز الرعاية الصحية وتحقيق المساواة بما يضمن المصالح الوطنية.
كتبت المحققة صوفيا والستروم، المديرة العامة لمفتشية الرعاية والصحة السويدية IVO في تقريرها بأنّه يجب تقليص السلطات الممنوحة للبلديات من أجل التمكن من حلّ المشاكل طويلة الأمد: القصور في البنية التحتية الرقمية، والرعاية الأولية متزايدة السوء، ونقص الموظفين، وقوائم الانتظار، والاختلافات بين المقاطعات في موارد الرعاية، والاختلافات الاجتماعية والاقتصادية في الاستفادة من الرعاية.
وكان واضحاً من أزمة كورونا مدى سوء التحضر في القطاع الصحي، ونقص المعدات والأدوات الطبية اللازمة.

من جديد، يمكن ربط المشكلة ببداية الخصخصة التي منحت المقاطعات والبلديات سلطات أكبر، والتي نقلت السويد – بحسب المحقق كلاس رينبري – من مصافي الدول ذات أنظمة الرعاية الصحية الممولة من الضرائب (الدول الشمالية)، لتصبح أكثر شبهاً بالبلدان ذات أنظمة التأمين الصحي الخاص. لكن مع نقص الآليات التي تضمن عمل هذا التأمين الخاص كما ينبغي، مثلما هو الحال في هولندا وألمانيا.
في 2016 قدمت اللجنة البرلمانية المسؤولة اقتراحاً بدمج المقاطعات الـ 21 الحالية إلى 6 مقاطعات من حيث المسؤولية عن الرعاية الصحية، وذلك أسوة بالدنمارك، أو النرويج التي استولت فيها الدولة على تمويل ورقابة القطاع الصحي من المقاطعات عبر شركاتها المركزية المتوزعة في المقاطعات.
أمل بعيد المنال
ليس الجميع متفائلاً بمستقبل الرعاية الصحية، مثال ما قالته كريستينا نيلسون، الممرضة ونائبة رئيس اللجنة البرلمانية للشؤون الاجتماعية: أتمنى أن نشهد إصلاحاً شبيهاً لما حصل في الدنمارك... لكنني لا أعتقد أنّ شيئاً من هذا سيحدث في المستقبل.
من جديد، لا أحد من الأحزاب البرلمانية موافق على حال الرعاية الصحية اليوم، ولكن ليس الجميع متفق على الحل المركزي. رغم أنّ المحافظين كانوا سباقين في طرح إلغاء سيطرة السلطات المحلية لصالح الدولة، فقد تراجعوا فيما بعد عن هذا الطرح. لا يرى الحزب الليبرالي بدوره بأنّ المركزية هي الحل. بينما الحزب المسيحي الديمقراطي يدفع تجاه هذه المركزة، ويرى بأنّها ستحقق المساواة. حزب ديمقراطيو السويد بدوره طلب توضيحاً للمسؤوليات بين الدولة والسلطات المحلية، واعتبر أنّ التحقيق الحكومي لم يقل بشكل صريح بأنّ المركزة ستحلّ المشاكل القائمة.
فقط حزب اليسار وجزء كبير من حزب الاشتراكيين الديمقراطيين مصممون على أنّ المركزية لازمة وضرورية للخلاص من مشكلات القطاع الصحي.

الأحزاب ليست كلّ شيء
بالعودة إلى الإحصاء في بداية المقال، حيث غالبية السويديين يرون بأنّ سلطات مركزية أكبر للدولة هي الحل لمشكلات الرعاية الصحية والتعليم، يمكننا أن نتنبأ بأنّ قضية المركزة عموماً، وتحديداً في هذين المجالين، ستكون حاضرة بشكل كبير في البرامج الانتخابية.
حتى الأحزاب البرجوازية لم تعد قادرة على إنكار المشاكل التي ترافقت مع منح البلديات سلطات أكبر ومع خصخصة الخدمات، وهي بهذا مضطرة وملزمة بإيجاد حلول للمشاكل. لا أحد يمكنه التنبؤ بصيغ هذه الحلول، ولا أحد يمكنه أن يرى مقدار تفاعل الناخبين معها.
لكن دون شك، هناك توافق متزايد بين التيار الشعبي، وتيار المحترفين والاختصاصيين، على أنّ مركزة أكثر على شاكلة الموجودة في النرويج أو الدنمارك، باتت مطلوبة في السويد اليوم.
وكما يقول غوران سندستروم، فتبعاً للتعقيد الذي صاحب إضعاف المركزية، لم يعد الناس يعرفون من المسؤول فعلاً عن تردي أنظمة التعليم والرعاية الصحية، وأنّ هذا بحدّ ذاته مشكلة. ففي الديمقراطية، يلزم وجود ناخبين مستنيرين ومطلعين يفهمون كيفية عمل النظام.
