منى زريقات: الناشرة الأردنية الشجاعة التي أدخلت الأدب السويدي للعالم العربي

5 سبتمبر 2022

4 دقيقة قراءة

منى زريقات: الناشرة الأردنية الشجاعة التي أدخلت الأدب السويدي للعالم العربي

مشاركة:

يعد كتاب "عالم صوفي" بترجمته العربية أحد أشهر الكتب التي توضح المذاهب الفلسفية بأسلوب مبسط للناشئة، وكذلك الأمر شكلت سلسلة "برهان" التي تحكي مغامرة طفل ووالده ذاكرة أجيال الأطفال العرب في الثمانينات. ورغم شهرة هذه الكتب لكن قلة يعرفون هوية السيدة منى زريقات مؤسسة دار نشر "المنى" التي نشرت هذه الكتب وساهمت بتعريف العالم العربي بالأدب السويدي

منى زريقات

التقت السيدة الأردنية منى زريقات زوجها الحالي في بيروت في السبعينات وهي التي درست الصيدلة في الجامعة الأمريكية في بيروت، فاختارت السفر معه لتستقر في السويد منذ عام 1970، وبالتالي فهي مقيمة هنا منذ 52 عاماً. 

ومن مكانها راقبت السيدة منى موجات الهجرة المتتابعة من العالم العربي من اللبنانيين والفلسطينيين ومن ثم العراقيين والسوريين. تستذكر أنها وعند وصولها لم يكن من الشائع أن تسمع كلمة عربية واحدة في شارع رئيسي في ستوكهولم، لكن سماع اللغة العربية أينما تحركت بات شائعاً اليوم لأن "الهجرة سمة هذا العصر" كما تقول. 

كان عام 1984 عاماً مفصلياً في حياة السيدة منى بعدما افتتحت دار النشر الخاصة بها، وكان توجهها في ذلك الوقت يتعلق بترجمة أدب الأطفال السويدي للغة العربية. 

الأطفال العرب أنقذوا "برهان"

تقول السيدة منى أنها تحب التحديات، فعندما فتحت دار النشر انطلقت فقط من حبها للغة العربية ولم تكن تملك أدنى فكرة عن صناعة النشر أو أدب الأطفال. تتذكر البدايات الأولى حينما انطلقت إلى العالم العربي حاملة أول ثلاثة كتب قامت بإصدارها وهي من ضمن "سلسلة برهان" للكاتبة السويدية الشهيرة غونيلا بيرغستروم. تتذكر السيدة منى أيضاً التوجس الذي قوبلت به الكتب من قبل أصحاب المكتبات والناشرين العرب، إذ كانوا مقتنعين في تلك المرحلة بأن أي أدب مترجم سيهدد القيم العربية ويغرّب العقل العربي، كما أنهم تسائلوا كثيراً لماذا تصور السلسلة يوميات أب وابنه لوحدهما، وسألوا عن غياب الأم لأنهم اعتبروا ذلك تشجيعاً على الطلاق وتفكك الأسرة. لكن الأطفال العرب هم من أنقذوا في ذلك الوقت هذه السلسلة المترجمة عبر تعلقهم بها وإقبالهم عليها. واليوم وبعد 38 عاماً من نشر سلسلة برهان للمرة الأولى ما تزال السيدة منى تلتقي بآباء وأمهات كانوا أطفالاً في الثمانينات ومازالوا يبحثون اليوم عن كتب برهان ليشتروها لأطفالهم. تلحظ السيدة منى أن الجدات السويديات اليوم يذهبن في عيد الميلاد لشراء كتب قرأنها وأحببنها وهن صغيرات، فهذا يعني أن التأثير في قارئ واحد وهو صغير قد يضمن انتقال الكتاب من جيل إلى آخر ضمن ذات الأسرة وهذا ما تطمح له السيدة منى في منشوراتها. واليوم وصلت أعداد كتب سلسلة برهان إلى عشرة كتب مترجمة إلى العربية وما تزال الدار مستمرة في إعادة طباعتها حتى الآن ما يؤكد على نجاحها وشعبيتها. 

بعض منشورات دار المنى

العالم العربي "يغتصب" الكتب

إلى جانب سلسلة برهان اهتمت دار المنى بنشر مؤلفات الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين الملقبة بـ "الأم المربية للشعوب الاسكندنافية" بعد تأليفها قصص أطفال ترجمت لأكثر من 100 لغة حول العالم. بعد سنوات من العمل أخذت دار المنى توجهاً جديداً عبر اهتمامها بترجمة كتب الناشئة والشباب لتغطية النقص في هذا النوع من الكتب التي تستهدف شريحة عمرية حساسة. وكان أشهر الكتب المترجمة ضمن هذا السياق كتاب "عالم صوفي" وهو كتاب عن أب يشرح لابنته بأسلوب مبسط وغير متوقع أعقد المذاهب والأفكار الفلسفية. الكتاب لاقى رواجاً كبيراً في العالم العربي وحتى أن الشرائح الأكبر سناً قامت بقراءته. لكن ورغم النجاح الكبير الذي حققه الكتاب تتحدث السيدة منى بحسرة وغضب عن غياب ثقافة احترام حقوق النشر والتأليف في العالم العربي، إذ ترى أن "عالم صوفي" التي كانت هي سباقة لإدخاله العالم العربي تم "اغتصابه" من قبل العديد من الناشرين الذين نسخوه وطبعوه دون احترام الحقوق الملكية ورغم أن دار المنى ما تزال حتى الآن تطبع منه عدداً كبيراً من النسخ لتغطية الطلب المتزايد عليه. 

مناخ النشر في السويد

ترى السيدة منى بأن هناك قناعة مغلوطة حول دار المنى بأنها مدعومة من الدولة السويدية، فهي تؤكد أن معظم دور النشر في السويد دور خاصة، وأن أي دار نشر، سواء كانت داخل السويد أو خارجه عندما تقدم طلباً بترجمة كتاب سويدي قد تتلقى منحة مالية لدعم جهودها في ترجمة الأدب السويدي من الحكومة السويدية. عدا ذلك ترى السيدة زريقات أن صناعة النشر تبقى صناعة تنافسية محكومة بالكثير من التحديات في السويد، رغم كونها بيئة إيجابية، بسبب مراعاة حقوق الملكية الفكرية وتقديم تسهيلات تتعلق بالتوزيع والتسويق والحصول على إحصاءات حول مبيعات كل كتاب. فالسويد كما تصفها السيدة منى "بلدٌ قائم على الأرقام" التي تساعد الناشر على وضع خطط واستراتيجيات، ولذلك فالناشر السويدي مسؤول فقط عن عملية النشر، لكن التوزيع تتولاه شركات مستقلة. هذا الأمر يخالف ما يحصل في العالم العربي حيث يبدو مشهد النشر فوضوياً ويضطر الناشر ليكون ناشراً ومسوقاً وبائعاً لكتبه في ذات الوقت "كما لو أنه عتّال يحمل كتابه ويدور فيه من بلد لبلد محاولاً بيعه".