مما لا شك فيه أن الانخفاض الحاد في الإمدادات الروسية، التي كانت توفر حوالي 40% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز، جعل الحكومات تتدافع للعثور على موارد بديلة للطاقة، خوفاً من انقطاع التيار الكهربائي ودخول البلاد في حالة ركود. في حين أن روسيا تلقي باللوم على العقوبات الغربية المفروضة على موسكو أثناء الحرب الروسية الأوكرانية، في عرقلة عمليات التسليم عبر خطوط الأنابيب. ويقول سياسيون أوروبيون أن موسكو تتخذ من هذا الأمر ذريعةً لها وتستخدم الطاقة كسلاح في مواجهة خصومها.
في ضوء ذلك، قالت شركة RWE الألمانية أنها تجري محادثات بناءة مع قطر بشأن شحنات الغاز الطبيعي المسال، قبل الزيارة المقررة للمستشار أولاف شوتس Olaf Scholz إلى الخليج، بينما أكدت شركة Uniper المنكوبة أنها لم تتوصل إلى اتفاق بعد.
تجدر الإشارة إلى أن برلين تهدف إلى توقيع عقود الغاز الطبيعي المسال مع الإمارات العربية المتحدة، لتزويد المحطات التي تقوم ببنائها الآن بعد إغلاق خطوط أنابيب الغاز الروسية "نورد ستريم 1"، لكن بالرغم من توقف عمليات التسليم عبر خط الأنابيب، استمرت تدفقات الغاز الروسية إلى أوروبا عبر أوكرانيا، حتى ولو بكميات قليلة.
في السياق نفسه، قال وزير الاقتصاد روبرت هابك Robert Habeck، بعد جولة في محطة الغاز الطبيعي المسال في شمال ألمانيا: «إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن هنالك الكثير من المدخرات في ألمانيا، وإن كان الطقس لصالحنا، فلدينا فرصة لقضاء شتاء مريح».
من جهته، قال رئيس هيئة تنظيم الطاقة في فرنسا أن ألمانيا ستتمكن أيضاً من الاعتماد على الغاز المتدفق من فرنسا بدءاً من 10 أكتوبر/ تشرين الأول، وذلك بعد أن أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن الطرفين سيساعدان بعضهما البعض في إمدادات الطاقة.
أما بالنسبة إلى فرنسا، قالت رئيسة لجنة الطاقة الذرية إيمانويل وارجون Emmanuelle Wargon: «إذا تأخرت شركة EDF (وهي أكبر منتج ومزود للكهرباء في فرنسا والعالم) في إصلاح المفاعلات النووية المتضررة من التآكل، فقد نضطر إلى قطع التيار الكهربائي المحلي هذا الشتاء». بدوره، صرحت لإذاعة franceinfo قائلةُ: «لن يكون هنالك انقطاع للغاز في المنازل، لن يحصل ذلك أبداً».
في المقابل، قالت وزيرة الصناعة الإسبانية رييس ماروتو Reyes Maroto: «يتحتم علينا إلزام الشركات المستهلكة للطاقة بالإغلاق خلال فترات ذروة الاستهلاك هذا الشتاء إن لزم الأمر».
وصرحت في مقابلة لها مع وكالة الأنباء الإسبانية "أوروبا برس" إنه سيتم تعويض الشركات مالياً، مضيفةً أنه ليست هنالك حاجة لفرض عمليات الإغلاق هذه في الوقت الحالي.
من جانب آخر، حذرت شبكة فينغريد Fingrid الفنلنديين من ضرورة الاستعداد لانقطاع التيار الكهربائي، وأعلنت شركة الكهرباء Karhu Voima Oy الفنلندية، إفلاسها بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الكهرباء.
في غضون ذلك، قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابك أن برلين لن تسمح لكبار مستوردي الغاز مثل VNG بالإفلاس، بينما قال متحدث باسم وزارة الاقتصاد أن المناقشات بشأن المساعدات جارية مع الشركة المستوردة Uniper. وأكد البنك المركزي الألماني أن الاقتصاد الألماني ينكمش بالفعل، ومن المرجح أن يزداد سوءاً خلال فصل الشتاء حيث يتم خفض استهلاك الغاز أو تقنينه.
أما في البرتغال، فكانت الحكومة صريحةً بشأن مخاوفها، حيث قال وزير البيئة والطاقة دوارتي كورديرو Duarte Cordeiro: «قد نواجه مشكلةً بين يوم وآخر، مثل عدم تزويدنا بحجم الغاز المخطط له». مضيفاً أن البرتغال تعمل على تنويع إمداداتها لتعزيز أمن الطاقة، وأكد أن البرتغال تستعد، مثلها مثل باقي أوروبا، لقدوم شتاء صعب. وحث المفوضية الأوروبية على المضي قدماً بخططها الخاصة بمنصة الاتحاد الأوروبي المشتركة لشراء الغاز وتحديد أسعار الواردات.
في الوقت ذاته، احتفظ المشترون الألمان بالطاقة لفترة وجيزة لتلقي الغاز الروسي عبر خطوط أنابيب "نورد ستريم 1" للمرة الأولى منذ إغلاق الخط قبل ثلاثة أسابيع، لكنهم سرعان ما تخلوا عن الطلبات، ولم يتضح سبب تقديم المشترين طلبات للحصول على الطاقة، بينما لم تقدم روسيا أي مؤشر منذ أن أغلقت الخط بأنها ستعيد التشغيل في أي وقت قريب.
إضافةً إلى ذلك، اتهمت أوكرانيا القوات الروسية بقصف المنطقة قرب محطة بيفدينوكراينسك للطاقة النووية في منطقة ميكولايف جنوب أوكرانيا. في حين، أطلقت روسيا النار مراراً على محطات الطاقة والبنية التحتية للمياه منذ إخراج قواتها من خاركيف، فيما تصفه أوكرانيا إنها عمليات انتقامية، لكن موسكو تنفي الاستهداف المتعمد للمدنيين.
في هذا الصدد، أظهرت بيانات Gas Infrastructure Europe أن مخازن الغاز الأوروبية ممتلئة الآن بنسبة 85.6%، مع اقتراب مخازن ألمانيا من 90%. وقال المحللون في Energi Danmark أنه من المقرر أن تستمر عملية بناء المخازن بشكل أكبر، مدعومةً بالانتهاء من أعمال الصيانة المقررة وزيادة التدفقات النرويجية اعتباراً من هذا الأسبوع. كما أن واردات أوروبا من الفحم الحراري في عام 2022 قد تكون الأعلى منذ أربع سنوات.
من جهته، صرح رودريغو إتشيفري Rodrigo Echeverri، رئيس الأبحاث في Noble Resources قائلاً: «لن تتمكن أوروبا من العوده بالزمن إلى الوراء».
جدير بالذكر أن أسعار النفط تراجعت لأكثر من 2% يوم الاثنين، متأثرةً بضعف الطلب العالمي وقوة الدولار الأمريكي قبل رفع أسعار الفائدة بشكل كبير، على الرغم من أن مخاوف الإمدادات قد حدت من الانخفاض.
مقالات ذات صلة :
مشروع قيد التنفيذ لنقل الكهرباء إلى أوروبا… من مصر!
ما هي الخطوات التي سوف تتبعها دول الاتحاد الأوروبي للتعامل مع أزمة الطاقة هذا الشتاء؟
