قام الرئيس الأمريكي جو بايدن، في خطابه الذي ألقاه في الأول من سبتمبر/أيلول، في فيلادلفيا، بتحذير الأمريكيين من الجمهوريين "ذوي العقلية الاستبدادية". والغريب في الأمر كان انتقاده من قبل عدد كبير من الليبراليين وكذلك المحافظين لكون خطابه "يدعو إلى الانقسام". إلا أن هذا الخطاب جاء متأخراً للغاية، حيث كان ينبغي على بايدن أن يفتتح رئاسته بوصف واضح للتهديدات العالمية التي تطال الديمقراطية. ففي الواقع، يجب أن يلفت تطرف الأحزاب الجمهورية المتزايد انتباهنا إلى ظاهرة لا يزال يتم الإبلاغ عنها بشكل متقطع وغير مُحلل، فقد بدأت العديد من الأحزاب اليمينية خارج الولايات المتحدة، والتي كانت تتمتع بالقوة في مرحلة ما، بفرض هيمنتها بشكل سلبي.
ففي الانتخابات التي ستجري في وقت لاحق من هذا الشهر في إيطاليا، من المرجح أن تصبح الوزيرة السابقة في حكومة يمين الوسط، جورجيا ميلوني، أول زعيم يميني متطرف للبلاد منذ عهد بينيتو موسوليني. كما سيكون سيلفيو برلسكوني شريكها في الائتلاف، وهو صديق مخلص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافةً إلى ماتيو سالفيني، أحد حلفائها الانتخابيين والمعجب أشد الإعجاب بالزعيم الروسي والمنتقد اللاذع للمهاجرين والاتحاد الأوروبي.
وفي حين تعارض ميلوني زواج المنتمين لمجتمع الميم عين وحق المرأة بالإجهاض، فإنها، مثل معظم زعماء أحزاب اليمين المتطرف، مهووسة بالقضاء على "حركات الوعي" في المجتمع، ناهيك عن حقيقة أن إيطاليا كانت منذ أوائل القرن العشرين رائدة للحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا. والأهم من ذلك، فإن زعيم حزب الشعب الأوروبي، مانفريد ويبر، الذي تربطه صلة مع أحزاب يمين الوسط المترامية الأطراف في جميع أنحاء القارة، أيّد علناً تحالف برلسكوني مع ميلوني.
وعلى عكس العديد من البلدان غير الغربية، فإن الأحزاب اليمينية في أوروبا وأمريكا الشمالية تتمتع بسجل طويل من احترام المعايير الديمقراطية، فضلاً عن تواجد أعضائها في البرلمان الأوروبي بشكل دائم، مثل عضوة حزب الشعب الأوروبي أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية. إلا أن بعض القادة الجدد، مثل المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، عملت على استبعاد هذه العناصر اليمينية المتطرفة والعنصرية.
لقد تمسكت الأحزاب اليمينية بتقاليدها لعقود من الزمان بعد مصائب النازية والفاشية، حيث سارع السياسيون الأوروبيون، بمن فيهم المحافظين، إلى تهميش اليمين المتطرف مدركين أن ايديولوجيته لا تتوافق بشكل أساسي مع القيم الأساسية للمجتمعات الديمقراطية. ففي عام 2018 على سبيل المثال، رفض حزب المحافظين في السويد كل أشكال التعاون مع حزب ديمقراطيو السويد ذي الجذور الأيديولوجية النازية، إلا أن هذا الحاجز قد كُسر، وأصبح ديمقراطيو السويد ثاني أكبر حزب وصانع قرار رئيسي في البرلمان.
لكن إقرار ويبر بتحالف يهيمن عليه اليمين المتطرف لا يبشر بالخير على الإطلاق، إذ إنه يضعف انتقاد الاتحاد الأوروبي للأنظمة غير الليبرالية في المجر وبولندا، ويتيح المزيد من إضفاء الشرعية على الحركات الفاشية الجديدة مثل Vox في إسبانيا، التي دخلت في التيار السياسي الإسباني من خلال شراكتها مع حزب يمين الوسط الشعبي.
وفي هذا السياق، كتب الفيلسوف الإسباني جوزيف رامونيدا، في صحيفة El Pais، واصفاً الإقرار بالأحزاب اليمينية على أنه "دليل على الدخول في مرحلة رجعية للديمقراطية الأوروبية"، في حين تم بالكاد تغطية هذا الأمر في وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية. إلا أن انتقاد بايدن لهذه الأحزاب في خطابه في فيلادلفيا يؤكد على أن العديد من السياسيين والصحفيين الرئيسيين إما غير مبالين أو مستعدين لتطبيع الاعتراف بها، في حين يستمر أبرزهم في المملكة المتحدة بتعزيز المنهج الكارثي لزعيم حزب المحافظين ورئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، على الرغم من الأدلة المتزايدة على ازدرائه للمعايير الديمقراطية وسيادة القانون، والمتمثلة في محاولته خلق انقسام في البرلمان البريطاني بشكل غير قانوني، وخرق المعاهدة الدولية المتعلقة بإيرلندا الشمالية. ومن خلال إلقاء نظرة خاطفة على الجرائد والصحف الشعبية في المملكة المتحدة، سنجد أن الدعم نفسه الذي تلقاه جونسون، تتلقاه رئيسة الوزراء الحالية ليز تروس، التي تعتبر شخصية يمينية متشددة قامت سابقاً بشنّ هجمات غير مسبوقة على "حركات الوعي" في الخدمة المدنية البريطانية والشرطة.
ومع تباطؤ النمو، يرتفع التضخم وتصبح الكوارث أمراً روتينياً، فأزمة الطاقة التي تلوح في الأفق، تزيد شعور المواطنين بالعجز. ومن المرجح أن تصبح الأحزاب اليمينية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة أكثر تطرفاً وهيمنةً. فرغم امتلاكهم القليل من الحلول الجديدة للأزمات الاقتصادية والبيئية الحالية، إلا أنهم قادرين على توجيه الاضطرابات الاجتماعية لصالحهم من خلال تعزيز الهويات العرقية والدينية والانتمائية، وشحن الشعوب بأساطير العظمة القومية. كما أن هذه التحولات المستمرة في الاقتصاد والبيئة ستجعل الأحزاب اليمينية، دون شك، أكثر دوغماتية وتطرفاً وسلطوية .
