يشغل بيرجير سيغناس منصب مستشار جنازات منذ أكثر من 40 عاماً، وقد تحول الأمر بالنسبة إليه إلى أسلوب حياة بدلاً من كونه مجرد وظيفة عادية. فهو يتعامل مع حالات الوفاة بشكل يومي ويعتقد بأن الموت شيء حتميّ، إلا أن الكثيرين يختارون عدم التطرق للموضوع أو التفكير به.
يوجد مكتب بيرجير سيغناس داخل صالة جنازة Limhamn الكائنة في مالمو، ويقتصر عمله، منذ أن كان في العشرينات من عمره، على التعامل مع الأشخاص الذين فقدوا أحبّائهم عن طريق مقابلتهم والتحدث معهم ومواساتهم.
وفي هذا السياق يقول سيغناس إن الأمر ليس سهلاً كما يبدو، إذ يكون من الصعب أحياناً مساعدة الأشخاص على تخطي فقدان شخص عزيز. كما يُعبر عن الصعوبة التي يواجهها عندما يكون المتوفى طفلاً صغيراً، إلا أنه يتوجب عليه القيام بعمله، والشروع بالترتيب للجنازة بأسرع وقتٍ ممكن.
جنازات الأطفال
يوجد اتفاق بين دار الجنازة والمستشفى يتم بموجبه دفن الأطفال الذين يُتوفون أثناء الولادة، حيث يضطر الوالدان، بدلاً من الترحيب بانضمام فردٍ جديد إلى العائلة طال انتظاره، إلى دفنه مباشرةً. وفي هذا الصدد يقول بيرجير: «إن هذه المواقف تكون مشحونة عاطفياً، إذ يتوجب على الآباء التخلي عن أكثر ما يملكونه قيمة، وهو أبناؤهم. وهنا، يتوجب عليّ أن أكون جزءاً من هذه المواقف، لتأدية واجبي بتخفيف اليأس والحزن الشديدين الذي يشعر به الأبوين، وأن تكون لدي كلمات جاهزة أقولها في محاولة لمواساتهما، إلا أن كلماتي تقف عاجزةً في كثير من الأحيان عند مثل هذه المواقف».
عمل مؤقت
كانت الوظيفة المؤقتة خلال فترة الراحة الدراسية في أواخر السبعينيات، بداية الحياة المهنية الطويلة لبيرجير، حيث سارع للمرة الأولى بالتقديم للعمل في مقبرة Limhamn عندما سمع عن منصب شاغر كمتعهد فيها، مُعتقداً أنه سيشغل هذا المنصب لمدة عام فقط وينتقل بعدها إلى عمل آخر. إلا أنه يقول الآن، وبعد مضي 45 عاماً على عمله في هذا المجال، إنه ليس مستعداً للتوقف بعد، على الرغم من أنه سيبلغ 67 عاماً قريباً. ويعلّق بيرجر على هذا الأمر واصفاً وظيفته بأنها ليست مجرد وظيفة، بل أصبحت أسلوب حياة بالنسبة له.
تبدأ مهمة بيرجير في عمله بمكالمة هاتفية ترد من المستشفى أو من أي شخص قريب للمتوفى، حيث يُسارع بيرجر لترتيب الكثير من الأمور بوقت قصير، إذ يجب الاعتناء بالمتوفى ووضعه في الكفن ووضع ملابس لائقة عليه. كما يجب حجز كاهن أو إمام أو أي مدير جنازة آخر والتخطيط لتقديم النعي، إضافةً إلى اختيار الزهور وحجز مطعم مناسب واختيار الموسيقى المناسبة وتوزيع بطاقات العزاء. ويقول بيرجير إن الجزء القانوني يتمثل بأن تتوفر لديه جميع جهات الاتصال، وأن يقوم بجمعها معاً وتوظيفها كيفما يلزم.
يضيف بيرجير أن الوظائف الجديدة التي تتضمن القيام بالكثير من المهام على نطاق واسع، فضلاً عن عقد الاجتماعات الجديدة، هو ما يجعل أمر الاستقالة صعباً بالنسبة له. وفي هذا الصدد يقول: «راودني أمر البحث عن وظيفة جديدة لا تتضمن الجلوس لتناول العشاء والتحدث عن الموت لمدة ثلاث ساعات متواصلة، إلا أن ما يستوقفني هو ندرة الحديث عن الموت، التي غالباً ما تظهر الحاجة إليها عند الكثيرين في مثل هذه الأوقات الصعبة».
هذا ويُعد بيرجير خبيراً في الطرق التي تتبعها الثقافات المختلفة بتوديع أحبائهم، حيث تلقّى العديد من الدورات الجامعية، وطلب المساعدة من المجتمعات الدينية، فضلاً عن قيامه بأبحاثه الخاصة المتعلقة بهذا الشأن. فقد كان تغيُّر سكان مالمو نتيجة لزيادة الهجرة خلال فترة التسعينات، عاملاً مهماً دفعه لمواجهة العادات الثقافية والدينية المختلفة في ترتيب الجنازات. الأمر الذي خلق لديه رغبة في اكتساب المزيد من المعرفة.
تجدر الإشارة إلى أنه يعيش في مالمو اليوم أشخاصاً قادمين من 183 دولة. فبالإضافة إلى مقابر كنيسة السويد، توجد العديد من المقابر الخاصة باليهود والبوذيين والكاثوليك والمسلمين والمندائيين والأرثوذكس والبهائيين. وفي هذا السياق يقول بيرجر:«إن العمل على ترتيب جنازات لثقافات مختلفة هو ما يدفعني للأمام ويُعطيني الحافز لتعلم شيء جديد. فأنا أحب أن ألتقي بأشخاص يملكون تقاليد مختلفة، وأجد ثقافاتهم مثيرةً للاهتمام».
حصر الجنازات السويدية ضمن دائرة المقرّبين
يميل اليهود والمسلمون لدفن موتاهم بأسرع ما يمكن بعد الموت، ويجب أن يتم التخطيط الكامل للجنازة في غضون يومين بدلاً من أسبوعين. ووفقاً لبيرجير، فإن الموت أمر خاص جداً في الثقافة السويدية، ولا يرى أن الموقف الأكثر انفتاحاً على الثقافات الأخرى قد أثّر عليها، بل على العكس، دفعها نحو المزيد من الانغلاق. مضيفاً أن السويديون يميلون لحصر الجنازات ضمن دائرة المقربين، على العكس من الثقافات الأخرى التي تكون الجنازات فيها مفتوحة لأي شخص.
ووفقاً لإحصاءات جمعية مديري الجنازات في السويد، إن عدد الأشخاص الذين يحضرون الجنازات السويدية آخذُ بالانخفاض، حيث اعتاد أن يحضر ما معدله 49 شخصاً إلى الجنازات في التسعينيات، لينخفض هذا العدد إلى 24 شخصاً في عام 2017.
يقول بيرجير سيغناس: «إن السويديون يخافون من الحزن ولا يريدون إدراك حقيقة أننا جميعاً بشر. فما سمعتُه باستمرار من المتضررين بعد كارثة تسونامي هو تجنب الناس لهم الذين كانوا يغيرون طرقهم في متاجر إيكا ويعبرون إلى الجانب الآخر من الشارع. في حين كل ما أراده المتضررون هو أن يأتي شخص ما ويعانقهم».
هذا وكان تسونامي، عام 2004، أحد الأحداث التي سلطت الضوء بالنسبة له على هذا الأمر بشكل خاص، حيث قام بيرجير بترتيب أربع جنازات لعائلات فقدت أفراداً من أُسَرها في حيّه، وشَهد كيف يقوم الأشخاص من حولهم بتجنبهم. وما أثار صدمته أيضاً مقابلة الأشخاص المصابين بالإيدز، خلال الثمانينيات، الذين كانت تتم رعايتهم في المنزل خوفاً من وصمة العار ومعرفة أنهم سيموتون.
"الحياة محدودة ولا توجد ضمانات"
يقول بيرجير إنه يتم تحديد مواقع الدفن الجديدة الآن على مشارف المدن حيث الأرض غير مرغوبة، على عكس ما كان الأمر عليه سابقاً. مؤكداً أن الأشخاص يشعرون برضا كبير عند معرفتهم أن الحياة محدودة، وأنهم قادرون على عيشها للنهاية على أكمل وجه، مع الأخذ بالأسباب وعدم التسويف بإنجاز الأعمال، إذ لا أحد يملك ضمانات عندما يتعلق الأمر بالحياة أو الموت.
