ينتمي عبد الكريم ناعس إلى عائلة سوريّة توارثت مهنة الزراعة وإنتاج الألبان والأجبان الخاصّة بهم، كما أنه حصل على شهادة في الطب البيطري في سوريا ليتمكّن من الحصول على ترخيص ومتابعة في رحلة أجداده. إلا أن نيران الحرب في بلاده أجبرته على مغادرتها والاتجاه نحو السويد، ليقرر الاستثمار مع زوجته أماني في نفس المجال الذي يمتلكان خبرة كبيرة فيه، وافتتحا متجراً للأجبان في مدينة رونيبي Ronneby. اشتهر الزوجان ناعس في أنحاء السويد كافة عندما ظهروا في الفيلم الوثائقي "عندما جاء العالم إلى رونيبي". منذ ذلك الحين، أصبحت منتجاتهم مطلوبة بشكلٍ كبير.

اليوم، يدير عبد الكريم متجره Abbes Mejeri مع زوجته أماني التي تدرس في الجامعة للحصول على ترخيص عمل كمدرّسة في مادة الرياضيات، ويشارك منصّة "أكتر" قصّة نجاحه.
الوظيفة غير كافية
وصل عبد الكريم وعائلته إلى السويد أواخر عام 2013، وكان هدفه بدايةً إيجاد عمل يعيل به أسرته، إلا أن اختلاف الثقافة واللغة كان العائق الأكبر. تعرّف عبد على طبيب بيطري سويدي، وعمل معه كمساعد لمدة سنة ونصف، اعتمد فيها على لغته الإنجليزية الضعيفة، وحصل في نهاية عمله على شهادة خبرة. تمكّن بعدها من إيجاد وظيفة في مدرسة ثانوية مختصّة في الزراعة والبيطرة، مستعيناً بشهادة الخبرة التي حصل عليها.
كان الراتب الذي يحصل عليه عبد من المدرسة زهيداً وبالكاد يكفي مصاريف الإيجار والسيّارة، والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم امتلاكه شهادة دراسية، كون شهادة الطب البيطري السوريّة لم يكن معترف عليها وكان بحاجة إلى معادلتها مع الشهادة السويدية، الأمر الذي لم يفعله لأنه سيستغرق وقتاً طويلاً.
لم تُشغِله المدرسة عن مجاله الرئيسي، حيث كان يحضّر الأجبان بأنواعها في منزله ويأخذ بعضاً منها أينما ذهب تقريباً، كنوع من عمليّات التسويق البسيطة وللحصول على آراء الناس في منتجاته، ودائماً ما كان يتلقّى الثناء والتعليقات الإيجابية. في عام 2019، وبعد تسويق ودراسة استمرّا لخمس سنوات، تشجّع عبد وقرر ترك عمله في الثانوية والتوجّه لافتتاح مشروعه الخاص.

ليس من السهل الحصول على ترخيص
توجّه عبد إلى مكتب العمل، وأخبرهم بما يدور في رأسه، ليحوّلوه إلى مكتب دعم اللاجئين في البلديّة، وهو مكتب يساعد اللاجئين الذين لديهم الفكرة والطموح لبدء عملهم الخاص من خلال تنمية الأفكار والأهداف ووضع خطة العمل المناسبة.
لاقى المشروع قبولاً وترحيباً من مكتب الدعم، وساعد في ذلك مشاركات عبد المستمرة في نشاطات البلدية، التي كان يروّج خلالها لمنتجاته، على الرغم من اعتراض البلديّة حينها على الأمر كونه لم يمتلك تصريحاً بعد، إلا أن إلحاحه أجبرهم على التعاطف معه.

يشير عبد إلى أن الحصول على ترخيص ليس بالأمر السهل في السويد، وبشكل خاص فيما يتعلّق بمنتجات الأجبان، كما أن فكرة تذوّق المنتج قبل شراءه التي وضعها في خطّة عمله ليست رائجة في السويد.
كما فرض مكتب الصحّة عليه تبديل جدران وأرضية المتجر الذي أراد افتتاحه، بالإضافة إلى التشديد على قواعد النظافة والسلامة، من أجل حصوله على الترخيص، وهو ما قام به بالفعل، وحصل على موافقة للافتتاح في 17 يناير / كانون الثاني من عام 2019.
إقبال كبير… من السويديين فقط
تضمّنت خطة العمل التي وضعها مكتب الدعم أن يكون الافتتاح تجريبي لمدة يومان، بحيث يمكن لعبد الكريم استيعاب ردود أفعال الناس وفهم السوق بشكل أوسع، ليختار بعدها ما إذا أراد المتابعة مباشرةً بعد الفترة التجريبية أو إغلاق المتجر لمدة معيّنة والتجهيز بشكل أفضل. حققت الفترة التجريبية نجاحاً كبيراً وكان هنالك إقبالاً واسعاً على المتجر واهتمام إعلامي كبير، الأمر الذي دفعه إلى الاستمرار بالعمل.
بدأ عبد وأماني في تحضير الأجبان والألبان والزيتون والمخللات بدايةً، إلا أنهم اضطروا إلى الاستغناء عن إنتاج المخللات كون السويديين يفضّلونها حلوة الطعم، في حين أن الزوجان كانا يصنعونها بالطريقة التقليدية.
ويشير عبد الكريم إلى أن الإقبال بشكل رئيسي من السويديين ولم تنجذب الجالية العربية بشكل كبير، والسبب في ذلك هو أن المنتجات ذات مواصفات وجودة عالية ما يجعل سعرها غير مناسب للعرب الذين غالباً ما يهتمّون بالسعر في الدرجة الأولى، ولا يمتلك في الوقت الحالي الطاقة الإنتاجية الكافية لتلبية متطلباتهم.

أمور لا تقدّر بثمن
يؤكد عبد الكريم أن لا يمكن الوصول إلى النجاح بسهولة، وأن الصعوبة الحقيقية تكمن في المحافظة على النجاح، وعلى الرغم من أن العمل الخاص أصعب بكثير ومجهد للغاية مقارنةً مع الوظيفة العادية، إلا أن القيمة المعنوية للنجاح والشهرة بين الناس واكتساب احترام الجميع أمور لا تقدّر بثمن.
ويحدّثنا عن مسابقة Blekinge mat التي تفوّق فيها على منافسيه واحتل المركز الأول بجدارة، قائلاً إن فرحته بالفوز حينها تجاوزت فرحة تخرّجه من الجامعة، مشيراً إلى أن وقوفه على منصة تكريم في بلد غير بلده محاطاً بأشخاص يتحدثون غير لغته هو إنجاز كبير.
لا يريد عبد الكريم أن يرسم حدوداً لنجاحاته، بل أّكد أنه يريد التوسّع وفتح متاجر لمنتجاته في مناطق أخرى، إلا أنه ينتظر الوقت المناسب لذلك، مشيراً إلى أنه لا يريد أن تكون المتاجر بنفس الأسم وحسب، بل الأهم أن تكون بنفس مستوى النجاح وجودة المنتجات.

السويد أرض كل إنسان طموح
ينصح عبد الكريم الشباب الراغبين في بدء عملهم الخاص أن يكون التركيز دائماً على الجودة ورضا الزبون، مشيراً أنه يفضّل أن التخلّص من المنتج الذي يختلف عن المواصفات المحددة قليلاً على أن يبيعه بسعر منخفض.
مشبهّاً السويد بالأرض العطشى، يؤكد عبد أنها أرض الفرص لكل إنسان طموح، إلا أن النجاح يكون بفهم ما يناسب البلد والمجتمع وليس ما يناسبك أنت كصاحب العمل.
