يعيش السكان الأصليون في أقصى شمال أوروبا منذ آلاف السنين في منطقة لا حدودية تُعرف باسم سابمي، أو أرض سامي، حيث يعيشون حياة مستدامة وغنية بالثقافة بالقرب من الطبيعة. كما يُعتبرون أحد أكثر مجتمعات السكان الأصليين تميزاً في أوروبا، حيث يسكنون أجزاء مذهلة من السويد وفنلندا والنرويج وروسيا، ويعملون على التعايش مع العالم الحديث مع الحفاظ على تقاليدهم وثقافتهم القديمة.
ومع ذلك، عانى السكان الأصليون من انتهاكات حقوق الإنسان والتمييز في بلدان الشمال، التي تمتلك تاريخاً طويلاً من العنصرية، حيث تم إخضاعهم لدراسات "العلم" العنصري الوهمية، وأُجبروا على تغيير أسلوب حياتهم. وفي هذا الصدد، قالت نائبة مجلس السكان الأصليين والممثلة لمصالحهم في البلدان الأربعة التي يتواجدون فيها، أسلات هولمبيرج Aslat Holmberg: "إن السكان الأصليون ما زالوا يواجهون احتمال فقدان ثقافتهم ومعيشتهم وهويتهم بسبب عدم احترام الحكومة السويدية لحقوقهم الإنسانية"، في حين تعتبرهم سياسات الاستيعاب التي وُجدت في السويد منذ القرن التاسع عشر حتى أواخر السبعينيات، شعوباً غير متحضّرة.
هذا وكانت السويد أول دولة افتتحت معهداً "للبيولوجيا العرقية" في عام 1922. كما أعاد متحف التاريخ السويدي، عام 2019، رفات السكان الأصليين إلى مجتمعاتهم لدفنها بشكل مناسب، والتي سبق أن استُخدمت بقاياها، التي تم عرضها في الخمسينيات من القرن الماضي، لغرض إجراء فحوصات لإثبات النظريات العرقية. هذا وأدّت مقاومتهم للتحولات القسرية للمسيحية في بلاد الشمال، في كثير من الأحيان، إلى دخولهم السجن وحتى إعدامهم، فضلاً عن حظر لغاتهم الأصلية من الاستخدام، وحصولهم على تعليم منفصل. ووفقًا للأمم المتحدة، لا يزال السكان الأصليون حتى يومنا هذا يتعرضون لانتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات والعنصرية.
أراضٍ مُستَعمرة
تقول هولمبيرج: "إن أحد المظالم الرئيسية تتعلق بملكية الأرض. إنني أتحدث عن الاستعمار الذي يضرب بجذوره في ملكية الأراضي بشكل عام. فقد تم دفعنا ببطء شديد، عبر التاريخ، إلى مناطق أصغر تُركت لنستخدمها بشكل تقليدي، الأمر الذي ما يزال مستمراً حتى يومنا هذا. كما يُعتبر التهميش السياسي والحق في تقرير المصير العامل الأساسي لجميع القضايا التي تواجه السكّان الأصليين، نحن لا نتخذ القرارات المتعلقة بأراضينا أو ثقافتنا، ولكن يتم اتخاذها من قبل الدول المجاورة لنا، حيث اعتبرت الولايات أن من حقها أخذ مناطقنا وتطويرها بأي طريقة تريد لأننا لا نمتلك حقاً في التصرف بها. ناهيك عن اتخاذ قرارات لا تتوافق مع ثقافتنا، ودون المعرفة الصحيحة بكيفية حُكمها". في حين وصفت الفنانة والناشطة، سارة أندرسون أجناك Sara Andersson Ajnnak، الشعوب الأصلية بالشعوب المُستَعمرة.
تهديد مشروعٍ "أخضر" للمنطقة
اعتمد السكان الأصليون، سابقاً، على رعي حيوانات الرنة وصيد الأسماك والزراعة والصيد لدعم أنفسهم. وفي هذا الصدد تقول أجناك: "إن رعي حيوانات الرنة، التي تحمل أهمية ثقافية وقيمة للسكان، تتعرض للتهديد من قبل السويد التي تريد خفض انبعاثاتها من الكربون. إلا أن هذا التحول يحدّ من إمكانية استمرارنا في أسلوب معيشتنا التقليدي، وبالتالي فإن الأطفال الصغار الذين يكبرون الآن في منطقة سابمي، قد يكونون الجيل الأخير القادر على العيش وفقاً لثقافتنا. نحن نمر بوقت عصيب حالياً، ومن الصعب رؤية ثقافتنا تتلاشى ببطْ".
هذا وأدانت الناشطة البيئية السويدية، غريتا ثونبرج Greta Thunberg، قرار الحكومة بالسماح بإقامة منجم للمعادن الخام في سابمي، كجزء من حملة تمكين إنتاج الصلب المستدام لخفض انبعاثات الكربون، بسبب تجاهلها لهجرة حيوانات الرنة وتأثير هذا المشروع على ثقافة السكان الأصليين ومعيشتهم، واصفةً هذا القرار بالقصير النظر والعنصري والاستعماري والمعادي للطبيعة.
هذا وحثّ خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة في السويد، في فبراير / شباط الماضي، على عدم إعطاء الضوء الأخضر للبدء بالمشروع، قائلين إن المنجم المفتوح سيعرض النظام البيئي المحميّ وهجرة حيوانات الرنة للخطر بسبب الغبار الذي يحتوي على معادن ثقيلة، والنفايات السامة التي ينتهي بها المطاف في موارد المياه.
انتقادات الأمم المتحدة
كانت قد وقّعت السويد على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في عام 1971، ولكن وفقاً لبيان الأمم المتحدة "فهي لا تضعها حيّز التنفيذ بشكل كافٍ". وفي جلسة استماع عُقدت عام 2018، بين لجنة التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة والسويد، نوّهت هيئة الأمم المتحدة إلى نقص الحماية التي يُعاني منها السكان الأصليون من قبل الحكومة السويدية، فضلاً عن انتهاكات التمييز العنصري بحقهم وارتكاب جرائم كراهية. مضيفةً أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها السويد لمثل هذا النقد.
وفي عام 1998، قدّمت الحكومة السويدية اعتذاراً رسمياً للسكان الأصليين. لكن وفقاً لهولمبيرج، وعلى الرغم من اعتماد إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الشعوب الأصلية، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراءات في اتجاه إيجابي بعد. وفي هذا السياق تقول: "نطالب بأن تحترم الدول القومية حقوق الإنسان الخاصة بنا، باعتبارها أساساً لبقائنا واستمرار وجودنا في المنطقة". كما شددت على أهمية الالتزام بحقوق الإنسان مُطالبة بأن يكون لهم الحق بامتلاك أراضيهم وممارسة ثقافتهم والمشاركة بفعالية في صنع القرار في الأمور المتعلقة بهم".
وفي سياقٍ موازٍ، دعت أجناك الحكومة السويدية إلى اتخاذ إجراء حقيقيّ قائلةً: "لا توجد حاجة لعمل المزيد من الدراسات دون جدوى، فقد وُجدنا في المنطقة قبل تشكيل الدولة السويدية، ونملك لغتنا وثقافتنا وتقاليدنا الخاصة. إلا أننا نتوقع القليل من الحكومة السويدية التي مارست الظلم تجاهنا لأجيال عديدة". مضيفةً أنهم بحاجة لأدوات فعلية للاستمرار بالعيش وفقاً لثقافتهم وتقاليدهم التي سيبذلون جهدهم للحفاظ عليها للمستقبل.
