قبل سنوات، وتحديداً في 2009 في دمشق، تعرّضت سارة حاج بكري (29 عاماً) إلى حادث سيّارة فقدت أثره والدتها وأصيبت إصابة بالغة أفقدتها القدرة على المشي. لكنها ورغم قسوة ما حدث لم تفقد رغبتها بالحياة والمغامرة، فسافرت عام 2014 إلى السويد بعد رحلة تهريب قاسية لتبدأ هنا حياةً جديدة، وهي اليوم أم لطفلين صغيرين بعد زواجها في السويد، لكن تجربتها تختلف عن تجارب الكثير من الأمهات الأخريات.
سارة بين العمل والدراسة والأمومة
خلال وجودها في السويد حاولت سارة تلقي العلاج وسعت كذلك للتعلم والعمل، لكن مرحلة الدراسة كانت متقطعة بسبب ظرفها الصحي ورغبتها بالعمل بشكلٍ أساسي. تعتبر سارة نفسها شخصاً مفعماً بالحياة، وتفضل عدم البقاء في البيت كربة منزل، لذلك فهي عملت لمدة عامين في مكتب العمل وسعت سابقاً لإنجاز تدريب مهني في عدة أماكن، وهي اليوم تنتظر رداً من مكتب العمل حول فرصة عمل مرتقبة في منطقة سكنها في نيشوبينغ، وفي هذه الأثناء تهتم سارة على صفحتها على انستغرام بالتوعية بأهمية الدعم النفسي وتضيء على أهمية الإرادة وتقبّل الذات وتطويرها مركزة بصورة خاصة على تجربتها الشخصية وعلاقتها بأطفالها.
رغم صعوبات الأمومة أفضل الاعتناء بأطفالي لوحدي
بمجرد معرفتها بأنها حامل للمرة الأولى عام 2017 بطفلها "مروان" شعرت سارة بالقلق من التجربة التي ستقبل عليها لكنها فيما بعد أنجبت أيضاً ابنتها الثانية عام 2020. تعترف الشابة بأن الأمومة لم تكن دائماً سهلة بالنسبة لها، فأدوية الأعصاب التي تأخذها كثيراً ما تجعلها تفقد طاقتها على الحركة، كما أنها شعرت في فترات محددة بالكآبة وعدم القدرة على التفاعل مع أطفالها كما يجب. لكنها دائماً تستطيع تجاوز هذه المشاعر الطارئة ومعاودة الانخراط في تجربة الأمومة.

رغم صعوبة التجربة فضّلت سارة عدم قبول إرسال الكومون لها الخدمة المنزلية (hemtjänst) كي يساعدوها مع أطفالها، وكانت تفضل الحصول على مساعد شخصي (Personal assistant) وعن هذا تقول: "أردت أن أربي أطفالي في منزل هادئ وطبيعي مع المحافظة على خصوصيتنا كعائلة، إذ من غير الطبيعي أن يرى الأولاد كل يوم شخصاً جديداً يدخل منزلنا"، وتضيف بالتالي أن المساعدة الوحيدة التي تحصل عليها تقتصر على وجود شخص يوصل الأطفال إلى الحضانة ويساعد في التخلص من الزبالة، إلى جانب الاهتمام بغسل الثياب لكنها تدير منزلها وتربي أطفالها بمفردها.
الأمومة على كرسي متحرك
فرضت إعاقة سارة الحركية عليها تحديات لا تعيشها الأمهات الأخريات خاصةً وأن ابنها يعاني من فرط النشاط في الحركة، وهي تقضي وقتاً طويلاً مع الأولاد لوحدها في الوقت الذي يكون فيه زوجها متغيباً في العمل. وهكذا كانت سارة دائماً تبحث عن حيل صغيرة لإنجاز المهمات كاستحمام الأطفال وإطعامهم فهي مثلاً تحضر كل ما قد يحتاجونه من طعام في الصالون وتغلق الأبواب لكي تحد من حركتهما وتحميهما من أي خطر محتمل، فكما تقول: "أنا دائماً أفكر مسبقاً بالسيناريوهات التي قد تحدث واستعد لها لأنني أعلم بأن حركتي ستعيقني عن الوصول في اللحظة المناسبة في حال حدوث طارئ". لكن رغم استعداداتها تبقى هناك تحديات كثيرة؛ فعلى سبيل المثال قد تبقى سارة حائرة في الطريقة التي

تستطيع فيها جلب غرض من رفٍ عالٍ في المطبخ، وعن هذا تقول ضاحكة: "بعد أن كبر مروان صرت أحمله في حضني وأطلب منه مساعدتي في جلب القطعة التي احتاجها". كذلك الأمر أجرت سارة بعض التعديلات على دراجتها لجعلها تتسع أولادها اللذان يركبان معها على كرسيها المتحرك الكهربائي (el rolstoel). لكن للأسف هناك دائماً تحديات لا تستطيع تجاوزها كأن تحمل أحد أطفالها وتجر الكرسي المتحرك في الوقت ذاته. عند سؤالها إن كانت مرت بلحظات صعبة أثناء أمومتها بسبب عدم قدرتها على الحركة أجابت أنها وفي كل مرة تذهب فيها إلى المنتزه تشعر بالحزن لأن أولادها يرغبون في اللعب على الأراجيح لكنها لا تستطيع الاقتراب من منطقة اللعب خوفاً من أن تعلق كرسيها بالرمل والبحص. تقول مستذكرة لحظات إحباط كهذه: "كان يصعب عليّ أن أشرح لابني لماذا لا نستطيع الاقتراب من هذه المنطقة أو الإجابة عن سؤاله حول سبب عدم مقدرتي على الوقوف عن الكرسي وسحبها في حال علقت بالرمال".
كيف تحوّل الحادث المأساوي إلى قصة ما قبل النوم
تواجه سارة طوال النهار الكثير من المواقف والأسئلة التي تستلزم منها تقديم شرح عن حالتها الصحية خاصة وأن مروان طفل فضولي لا يكف عن طرح الأسئلة، ولهذا قررت قبل عام أن تقص عليه قصة الحادث الذي تعرضت له على طريقتها كي يفهم ما حدث ويستوعب السبب الذي يمنع أمه من الحركة. تقول سارة بأنها حوّلت الحادث إلى قصة تحكيها لابنها قبل النوم وتجاوب فيها بطريقة غير مباشرة على أسئلته. لكن يبقى هناك قضايا يصعب شرحها لطفل صغير.

هل السويد تقدم ما يكفي من الدعم لذوي الإعاقة؟
مقارنة بالعديد من البلدان التي زارتها سارة كلبنان والأردن والإمارات وتركيا وبلغاريا واسبانيا، هي ترى أن المرافق والأماكن العامة مجهزة جداً في السويد لتكون صديقة للأشخاص من ذوي الإعاقة. فتشير مثلاً إلى الباص الذي ينخفض بابه كي تستطيع الصعود إليه، أو المنزلقات التي تساعد الشخص المعاق في الحركة بدلاً من صعود الدرج أو حتى الحمامات الواسعة التي تسمح بدخول الكرسي المتحرك، وهو أمر لم تره في الكثير من البلدان التي وقفت فيها حائرة أمام درجٍ عالٍ لا يمكن لها صعوده. وعن هذا تقول: "حتى في سوريا أثناء امتحان البكالوريا تم فرزي في مدرسة بعيدة دون مراعاة حالاتي وعدم قدرتي على صعود الدرج للوصول إلى قاعتي". لكن ورغم الاهتمام العام بالأشخاص من ذوي الإعاقة يبقى هناك تفاصيل تغفلها السويد، فعلى سبيل المثال لا تشعر سارة بأن هناك تسهيلات تُقدم لها كي تحصل على عمل مثلاً، فهي تستغرب أنها كانت قادرة في سوريا على الحصول على عمل لكنها في السويد تشعر بأنها لا تلقى ما يكفي من المساعدة في هذا الخصوص. فهي اليوم وبعد سنوات من الإقامة في السويد ما تزال تنتظر الحصول على عمل لا يتطلب منها مثلاً رخصة قيادة ويراعي ظرفها الصحي.
في الختام لا تحاول سارة تصنّع حياة مثالية، وهي تعترف بأن تجربة الأمومة مليئة باللحظات الجميلة والصعبة على حدٍ سواء، لكنها تعالج الأمر بابتسامة دائمة وتؤكد رغبتها بالحياة واستعدادها للمفاجآت والمغامرات التي قد تحملها لها الأيام القادمة.

