ربّما تجربة مايكل بوث مع السويديين، وهو الكاتب والرحالة البريطاني الشهير الحائز على عدد من الجوائز، هي من أكثر التجارب إمتاعاً لأجنبي في السويد، فقد جاء إلى السويد وبذهنه أن يختبر بطرق غريبة وفريدة سمعة السويديين، سواء كونهم مطيعين للقانون أو متسامحين أو منعزلين...الخ. لهذا قررتُ أن أقدّم لكم بعضاً من تجربته، وسيكون عليكم الحكم على مدى دقته في وصف الأمور في السويد تبعاً لتجربتكم الخاصة فيها.
كانت تجربة بوث الأولى في متحف نوبل في ستوكهولم، فأراد أن يختبر مدى تسامح السويديين مع خرق القانون البسيط، فأدخل إلى المتحف كيس بطاطا شيبس وعلبة مشروب غازي، وفتحهما أما اللافتة الكبيرة المكتوب عليها: "يمنع الأكل والشرب". قام بإصدار أصوات صاخبة عن قصد، ولوّح بطعامه وشرابه بشكل وقح أمام موظفي المتحف وعدد كبير من الزوار، ووصل إلى مرحلة "التجشؤ" المقرف. لكن لا أحد من الزوار أو موظفي المتحف اقترب منه أو حتّى نظر إليه.
لا تحاول التحدث إلى السويديين!
محطته التالية لاختبار مدى صبر وتجاوب السويديين كانت بالجلوس إلى جانب امرأة تأكل الحلوى من علبة كبيرة في يدها في محاولة دفعها لإطعامه قطعة حلوى. حدّق مايكل بالعلبة بشكل واضح وقريب من الوقاحة، وبدأ ينظر إلى فمها الذي يمضغها بعينين تشتهيان أكل قطعة. لكن عندما انتبهت المرأة إليه، كان ردّ فعلها الوحيد أن أدارت ظهرها له. وعندما ألحّ في النظر والحركة، وقفت ومشت مبتعدة. تجربة العرب المهاجرين في السويد، وهم المعتادون على مشاركة طعامهم دون طلب، تشهد على أنّ تجربة مايكل يمكن تعميمها على بقيّة السويديين.
بعد ذلك مضى مايكل إلى مصعد حيث يمكنه أن يحاصر السويديين ويطرح عليهم كلمات أو أسئلة قد يشعرون بأنّهم مضطرين للإجابة عليها. فمضى إلى المصعد وبدأ يسأل الناس أسئلة بسيطة مثل: «شكل هذا الفندق جميل أليس كذلك»، أو «كيف حالكم؟». من بين عدد كبير من الأشخاص الذين "تصيدهم" في المصعد، لم يردّ عليه سوى زوجين شابين بود، لكنّه اكتشف بعد ذلك بأنّ هؤلاء الزوجين الشابين ليسا سويديي الأصل بل من أصل مهاجر. حتّى أنّ امرأة تحمل معها حقائبها تراجعت وقررت عدم الصعود معه في المصعد ذاته.
مصارعة السويديين في محطة القطارات
انطلق مايكل تالياً ليجرّب وسائل النقل العامة، وعند وصوله إلى رصيف القطارات اكتشف أنّ الركّاب يتدافعون للخروج بسبب قيام الذين يدخلون القطار بسدّ طريقهم، الأمر الذي جعله يعتقد أنّ هناك مباراة تدافع أو كرة قدم أمريكية. علّق على الأمر بالقول: «في معظم البلدان كان هذا الأمر ليعتبر فعلاً وقحاً يظهر الأنانية غير المنتجة، ولكن في ستوكهولم لا أحد ترمش له عين لذلك».
في تجربته التالية وقف مايكل عند طريق فارغ من السيارات، وإشارة المرور للعبور حمراء. قام بقطع الطريق لأنّه كما يقول: «ليس جزء من قطيع لا يدري كيف ينظر للطريق وينتظر الإشارة الحمراء لتعتني به». كان يتوقع أن يتم شتمه أو تحذيره على الأقل من بقيّة الواقفين على الإشارة، لكنّ كلّ ما رآه هو أشخاص لم يتزحزحوا من مكانهم وعيونهم تتطلع إلى إشارة الشخص الأحمر، وامرأة اعتقدت أنّ الإشارة مفتوحة فتبعته لنصف الطريق، ثمّ عادت مهرولة تنتظر فتح الإشارة.
لا يمكن اختصار تجربة مايكل بوث في السويد بمقال، رغم أنّها من أكثر التجارب إمتاعاً من التي سمعتها. لكن سأختم بالسخرية التي توصل إليها مايكل أثناء زيارته لسفينة فاسا التي أعيد ترميمها. فسفينة فاسا الأصلية غرقت بعد أقلّ من خمس دقائق من نزولها إلى الميناء. قال مايكل: «معظم البلدان كانت لتعتبر هذا الحدث مصدر إحراج، وكانت لتفضل إبقاءه بعيداً عن العين. ولكن ليس السويديون فهم يهوون معاقبة أنفسهم، ولهذا أعادوا بناء سفينة فاسا... أتساءل كيف كان شعورك الملك فاسا وهو واقف بجلال ملكي على رصيف الميناء يشاهدها تغرق ببطء وتختفي تحت دفق الأمواج، وكم سينال من الإعجابات هذا المشهد لو وضع على يوتيوب اليوم؟».
يرفض مايكل اليوم أن يتمّ اعتباره “أحد الخبراء العميقين” في السويد والشأن السويدي، ولهذا بعد أن تواصلتُ معه أريده أن يعلّق على “نتائج رحلته” إلى السويد قال لي: “لقد أجريت أبحاثي في السويد من أجل كتابي - الشعوب شبه الكاملة تقريباً - منذ عشرة أعوام ولا أريد أن أعلّق علناً اليوم بوصفي خبيراً ثاقب النظرة فيما يخصّ السويد”.
