بعد الدراسة لتصبح كابتن طيّار انتهت بالعمل بالأسود خائفة من الترحيل

25 أغسطس 2022

5 دقيقة قراءة

بعد الدراسة لتصبح كابتن طيّار انتهى بها العمل بالأسود خائفة من الترحيل

بعد الدراسة لتصبح كابتن طيّار انتهى بها العمل بالأسود خائفة من الترحيل

مشاركة:

يمرّ العمر سنة بعد أخرى، ونبقى بانتظار انعطافات تسمح لنا ببناء حياة أفضل. لكن مع مشكلة البقاء "معلقاً" بلا إقامة في السويد، تصبح سنوات العمر ثقيلة، خاصة عندما تجعلنا نتوقف عند نقطة الصفر. هذه هي قصّة روعة التي لا تزال تأمل أن يأتي قرارٌ بمنحها إقامة دائمة لتتابع دراستها وحياتها.

الحياة في مطار

روعة (اسم مستعار) عراقية الأصل، كانت تعيش في طفولتها ضمن ثكنة عسكرية في مطار بسبب عمل والدها. درست روعة وحصلت على شهادة في الحقوق، لكنّها لم تعمل بها، بل عملت كمضيفة طيران لمدّة عامين.

تقول روعة بأنّها تمكنت من توفير المال من عملها كمضيفة، ثمّ باستخدام هذا المال وبعض المساعدة من والدها، تمكنت من التسجيل لدراسة الطيران المدني في السويد. تقول روعة بأنّ التكاليف كانت كبيرة (أكثر من 70 ألف يورو)، ولكنّها كانت تأمل بأن تخرجها هذه الأموال إلى بلادٍ أكثر انفتاحاً تمنحها مكانة أفضل كامرأة، الأمر الذي كانت محرومة منه في العراق.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وصلت روعة إلى السويد لتلتحق بأكاديمية دولية للطيران في ستوكهولم وتسكن في سكنها. تقول روعة بأنّ صفّها كانوا بمعظمهم من العراقيين الذين يعمل أهلهم في سلك الطيران، وأنّها كانت الفتاة الثانية في المدرسة فقط بعد فتاة هندية سبقتها.

كان حلم روعة أن تصبح كابتن طيّار ولهذا وفرت الأموال من عملها كمضيفة

كلّ شيء يقف ضدّك!

بدأت حياة روعة تصبح أقلّ حظّاً منذ إحدى ليالي العطل في السويد. كانت بصحبة رفاقها في مدرسة الطيران، وأغلبهم من العراقيين، في أحد البارات. انجذبت روعة إلى شابّ كان موجوداً في البار، وحصلت بينهما شرارة الإعجاب. انفصلت روعة عن رفاقها وخرجت بصحبة الشاب إلى مكانٍ آخر خارج البار.

لم تكن روعة – كما تقول – تعي بأنّ هذا اليوم سيصبح وبالاً عليها يجعلها تعيش حتّى يومنا هذا في حالة من الخوف.

وفقاً لروعة، بدأ أصدقائها بالنميمة عليها والتهامس فيما بينهم، وبدؤوا يعتبرونها شخصاً غير سويّ الأخلاق، وليست "بنيّة"... وما إلى هنالك ممّا يقال. كانت روعة تشعر بالخشية من أن يصل هذا الكلام لأهلها، فتدفعهم حميّة "التقاليد" لإيذائها عندما تعود إلى العراق. 

زادت الصدف السيئة من حظّ روعة العاثر، فتعرضت لمشكلة في المدرسة واتهام بالغش (برأتها منه المحكمة فيما بعد وأعادتها للمدرسة لتتابع دراستها). وبينما كانت قضيتها موضع الدراسة، تمّ إيقافها عن الذهاب إلى المدرسة وإعادتها إلى العراق.

ينطبق على روعة ما قاله شكسبير: “المصائب لا تأتي فرادى كالجواسيس بل سرايا كالجيش”

الخوف بات يلازمني

كانت روعة في العراق بانتظار صدور القرار ببراءتها، ولكنّها خائفة من أن يكون أحدٌ قد أخبر أهلها عن تلك الليلة. تلقّت في هذه الأثناء اتصالاً هاتفياً من شخصٍ مجهول بدأ بتهديدها ومحاولة ابتزازها ونعتها بألقاب نابية.

أخبرت روعة واحداً من أشقائها وذهبوا إلى الشرطة وقدموا بلاغاً، ولكن كما تقول روعة: "لم تهتمّ الشرطة بالأمر وقالت لها بأنّ عليها أن تذهب إلى المحكمة وتأخذ منهم قراراً كي يتتبعوا الاتصال ويعرفوا مصدره.

كان خوف روعة قد وصل إلى ذروته عندما قررت العودة إلى السويد مهما حصل، لهذا ولأنّ إقامتها كطالبة لا تزال سارية عادت على الفور.

رحلة شقاء أخرى

في السويد تقدمت روعة بطلب للجوء وطلب الحماية، ولكنّ طلبها قوبل بالرفض. ووفقاً لروعة فقد كان سبب الرفض أنّها امرأة متعلمة ولن تواجه مشكلة كهذه في بلدها، وأنّ سيحمونها ولن يؤذوها.

حاولت روعة كما تقول أن تشرح لهم بأنّ مرتبتها الاجتماعية ودراستها لا تنفعان هنا، وبأنّها عرضة للأذى إذا ما عادت إلى العراق، ولكن ليس من مجيب. لتبقى روعة بلا إقامة وبلا وضع قانوني في السويد.

في هذه الأثناء بدأت بارقة أمل تعيد البهجة إلى روعة، فصدر قرار براءتها وإمكانيّة عودتها إلى مدرسة الطيران، فعادت وأتمّت المرحلة الأصعب في الدراسة (المرحلة الأكاديمية – النظريّة) بدرجات ممتازة، وبقي لديها أن تحقق ساعات الطيران التي تؤهلها الحصول على الشهادة النهائية (أدّت روعة 19 ساعة طيران وبقي أمامها 200).

لكن وكما أخبرتنا روعة: حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث أعلنت مدرسة الطيران إفلاسها وتمّ إغلاقها، ولم تعد روعة قادرة على استعادة الأموال التي دفعتها كأقساط.

الآن لم يعد لدى روعة مكان لتبقى فيه، وليس لديها أموال، ولا يمكنها العودة إلى العراق خاصة أنّ أهلها أعلنوا "العار" ضدّها وبدؤوا بتهديدها، ولم يتمّ قبول طلب حمايتها أو لجوئها.

تعرفت روعة على رجل  بالصدفة أثناء عملها في مطعم ليصبح بعد ذلك زوجها

بارقة أمل

الآن وقد أطبقت الظروف على حياة روعة كالكماشة، اضطرّت للعمل لدى أسرة عراقية حتّى لا تجد نفسها في الشارع. تقول روعة بأنّها تعرضت لاضطهاد واستغلال كبيرين، وبأنّ الوضع لديها لم يكن يحتمل.

عملت روعة بعد ذلك في مطعم بالأسود، وبدأت تمضي الحياة يوماً بيوم على أمل أن تستفيد من الطعن الذي قدمته ضدّ قرار مصلحة الهجرة. لكن من جديد جاء القرار بالرفض، وكان على روعة أن تعيش ممنوعة من العمل والدراسة والحياة.

في هذه الأثناء التقت روعة برجل سويدي الأصل يرتاد المطعم الذي تعمل فيه. نشأت بينها وبين هذا الرجل علاقة عاطفية، ثمّ بدأت هذه العلاقة تأخذ منحى التحوّل إلى علاقة جديّة.

تقول روعة بأنّها أخبرت الرجل في تلك المرحلة بأنّها من ثقافة لا يمكن أن تسمح لعلاقتهما بالتطوّر أكثر من ذلك إن لم يتزوجا، وبأنّها بنت هذه الثقافة وتريد أن يتزوجا حتّى يتمّا حياتهما ويعيشا معاً.

كان الرجل يحبّ روعة، ولهذا مضى وإياها وتزوجا في دارة البلدية بشكل رسمي في شهر سبتمبر/أيلول 2021. كانت روعة تأمل أن يحلّ زواجها المشكلة مع أهلها، ولكنّه زاده سوءاً. فأهلها لم يتقبلوا أن تتزوج ابنتهم بشكل مدني من زوج "لا يعرفون دينه ولا قرعة أبوه منين"، لتجد روعة – كما أخبرتنا – نفسها وهي منبوذة وتخشى التهديدات التي زادت من أشقائها وبأنّهم سيصلون إليها حتّى لو كانت في السويد

لكنّ الأسوأ بالنسبة لروعة كما تقول أنّ مصلحة الهجرة ترفض إعادة فتح ملف طلبها الحصول على الإقامة، ولهذا هي اليوم لا تزال تحاول بطرق قانونية لا تنتهي تعقيداتها، وتعيش عالة على زوجها غير قادرة على إتمام دراستها أو العمل بشكل نظامي وقانوني، وخائفة حتّى في السويد من وصول من يريد إيذائها إليها.

أسقطوا حلمي بالطيران

كانت الدموع تنهمر من عيني روعة وهي تخبرنا: "لم يبقَ لي إلّا 10 أشهر كي أكمل 200 ساعة طيران وليس لديّ من يساعدني... أتمنى لو يظهر من يساعدني فأنا غير قادرة على العمل، وغير قادرة على أخذ قرض دراسي، ولا يمكنني الإكمال على نفقة الحكومة السويدية، وأموالي التي جمعتها على مدى عامين راحت مع المدرسة اللي أفلست... أنا يائسة كي يساعدني أحدهم"

قد يوافق البعض على أنّ روعة مظلومة، وقد لا يوافق... لكن الأكيد أنّ روعة لا تستحق أن تبقى "بلا وضع قانوني" في السويد بما يؤدي لحرمانها من الإقامة التي تسمح لها بإتمام تعب الدراسة وتحصيل العلم على أقلّ تقدير...