الكاتب عروة درويش - منصّة «أكتر» السويد
أثناء قراءتي مقال للباحث السويدي أوله هامار Olle Hammar، عبّر فيه عن رأيه ونظرته إلى «القيم» السويدية، وعن تبني المهاجرين الواصلين حديثاً لهذه القيم بسرعة جيدة، لم يعجبني ما قاله، وتذكرت بأنّ لديّ حساسية تشبه حساسية الربيع تجاه هؤلاء الأكاديميين.
قبل أن أعطيكم رأيي، لنرى بإيجاز ما قاله هامار:
لا حاجة للخوف من المهاجرين
رأى هامار بأنّ القلق السياسي المتزايد من كون المعايير والقيم السويدية مهددة بسبب الهجرة، مبالغ بها. حيث أنّ الثقافة السويدية مرنة والقادمون الجدد يتأقلمون معها بعد فترة.
وذكر هامار أنّ الإحصاءات في السويد تُظهر أنّ مواقف وقيم المهاجرين تتغيّر لتتقارب مع قيم ومواقف السويدي «العادي» خلال عشرة أعوام من بقاء المهاجر في السويد.
Photo TT
ما هي هذه القيم؟
قبل أن أنهي مقال هامار، خطر لي سؤال: ما هي القيم التي يتحدث عنها؟ فاكتشفت بأنّه شرح هذه «القيم»، فتحدث مثلاً عن أنّ لدى المهاجرين قيم بسيطة تتعلق بأهمية الأسرة والترفيه والسياسة، وأنّ هذه القيم سرعان ما تتبدل لتصبح أقرب للسويدي العادي، حيث تصبح الأسرة أقلّ أهمية، ويزداد الاهتمام بالسياسة وأوقات الفراغ. وأنّ الموجودين منذ عشرة أعوام في السويد، لا يمكن تفريقهم إحصائياً عن السويديين.
كما تحدّث هامار عن «اكتشافاته» بأنّ ثقافة البلد الأصلي تؤثر في البداية على آراء المهاجرين فيما يخص عدم المساواة الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة، لكنّ تأثير ثقافة البلد الجديد يبدأ تدريجياً في الهيمنة.
ثمّ وصل إلى الاختلافات ما بين المهاجرين والسويدي العادي في القيم المتعلقة بالثقة والحقوق الشخصية «المثلية الجنسية والإجهاض والطلاق» والدين. واعتبر أنّ الهوة فيما يخص هذه القيم سببه أنّ السويد متطورة جداً فيما يخص الثقة الاجتماعية والحقوق الشخصية والعلمانية، بالمقارنة مع جميع دول العالم.
لكن حتّى هذه القيم، ورغم بقاء فجوة فيها بين المهاجرين والسويدي العادي، تميل بعد عشرة أعوام لتصبح أقرب للسويدي العادي منها من القيم الموجودة في بلادهم الأصلية.

Photo TT
أصل استعماري
هل سمعتم يوماً بجورج إبراهيم عبدالله؟ جورج كان مناضلاً لبنانياً مناهضاً للاحتلال «الإسرائيلي»، اغتال دبلوماسياً «إسرائيلياً» في باريس في 1982، وتمّ اعتقاله في 1984 في فرنسا، وتمّ رفض إخراجه عدّة مرّات بشكل ساخر بطلب من وزارة الخارجية الأمريكية، وبقرارات غير قضائية.
المهم هنا، جورج كما ذكرت أنا «مناضل»، بينما هو لدى من حبسوه إرهابي، ولدى بعض علماء النفس الفرنسيين الأكاديميين «مختل عقلياً» لديه متلازمة كراهية الغرب. ويمكنني أن أقول جازماً بأنّ جورج عبدالله – لو كان من بين الزمرة التي درسها هامار، لكان ممّن أثرت عليه ثقافة بلاده الأصلية بما يخص رفض اللامساواة الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة.
هل يعقل لو أنّ جورج عبدالله عاش في السويد عشرة أعوام، لكان بعدها أحبّ «إسرائيل» وأيّد اجتياحها للبنان؟

السويدي العادي
لن أبالغ إن قلتُ لكم، أنّ أكثر ما أغاظني في كلام هامر هو حديثه عن «السويدي العادي». من هو هذا السويدي العادي؟
إذا قلنا – وفقاً للإحصاءات الانتخابية – أنّ 17.5% من السويديين الذين يحقّ لهم التصويت، انتخبوا حزب "ديمقراطيو السويد" المعروف بمعاداته للمسلمين (وعدم تقبلهم للمثلية تبعاً لتوجهات معظمهم النازية)، سيكون لدينا 8,363,203 إنسان سويدي ينظرون إلى المسلمين بشكل لا يتوافق مع ما سماه هامار بقيم الحقوق الشخصية. ألا يُعتبر هؤلاء ال 8 ملايين ونصف تقريباً من «السويدي العادي»؟
علماً أننا هنا نأخذ نسبة مصغرة جداً لأننا لم نتحدث عن ناخبي حزب المحافظين، أو المجموعات غير الممثلة برلمانياً والمُغرقة بالتطرف.
أين «قيم» السويدي العادي الذي يفترض بأنّ المهاجرين غير المتسامحين مع «المثلية الجنسية» سيندمجون معها؟
هراء غير علمي
القيم وفقاً لأحد تعريفات علم الاجتماع هي: مجموعة من المبادئ التي تحكم السلوك الشخصي والاجتماعي بشكل متأصل غير محسوس، وفقاً لما يراه الفرد أو المجموعة صحيحاً. وهذه القيم لا تتحدد بإرادة فردية، بل تحكمها عوامل غير مباشرة متعلقة ببنية المجتمع.
لا أريد الخوض كثيراً في تعريف القيم، ولكن القيم متغيرة بطبيعتها، وليس ذلك بسبب المكان الذي يسكنه المرء، بل بسبب عوامل أكبر متعلقة بالبنية المجتمعية التي تحكم المكان الذي يسكنه الفرد.
يمكن كمثال أن نقرأ عن عندما مات السويديون من الجوع ورفضت الحكومة مساعدتهم، ألم يكن في تلك الفترة هناك سويدي عادي له قيم يحتذى بها؟ لا، لأنّ السويديين أنفسهم كانوا مهاجرين في ذلك الوقت.
بأيّ حال، فهناك قيم اعتبرها هامار من قيم المهاجرين، تحديداً فيما يخص التململ وعدم تقبل اللامساواة الاقتصادية وتوزيع الثروة، يشاركهم بها سويديون عاديون، أمثال حزب اليسار وناخبيه. وهم «عاديون» أعجب ذلك هامار أم لم يعجبه.
بالمناسبة، في فرنسا كذلك «فرنسيون عاديون» قرروا أنّ حكومتهم فاسدة وأنّ جورج عبدالله مناضل. مثل مجلس مدينة بانيوليه شرق باريس، التي منحته لقب المقيم الفخري، واعتبرته بطلاً مقاوماً ضحية للاستبداد والحبس السياسي، ومدافعاً عن القضية الفلسطينية العادلة.
