فلم "المبارزة الأخيرة"
إنّ الحقيقة مثل الأحجية، فهي قصّة من الوقائع المختلقة التي يتمّ دمجها مع بعضها بإتقان. وهذا ما يمكن أن ندركه بشكل ممتاز من خلال متابعة الجدل التالي لمشاهدة فيلم "المبارزة الأخيرة The last duel" لعام 2021 بطولة جودي كورنر ومات ديمون وآدم درايفر، الفلم الذي تمكّن من إثارة جدل طويل حول أيّ القصص فيه هي الحقيقة وأيّها الزائف.
تحذير: هناك حرق للأحداث Spoiler alert

يقوم الفلم الذي أخرجه الرائع ريدلي سكوت على ثلاث وجهات نظر مختلفة لقصّة واحدة. فحكايا جان وجاك ومارغريت لا يمكن أن تكون جميعها حقيقية، ولا بدّ أنّ إحداها صادقة بينما الاثنتان الباقيتان جانبتا الحقيقة.
التباين في الأحداث بين الحكايات كبير في الكثير من التفاصيل، سواء في سبب المعركة الأولى وسيرها، أو بالعلاقة مع بيير، أو حتّى بكيف ينظر الصديقان العدوان لبعضهما البعض. ولكن تبقى قصّة اغتصاب مارغريت هي الأكثر جذباً من ناحية جدل وجهات النظر فيها.
استمتعت أم لا؟
يهم استمتاع مارغريت باغتصابها من عدمه للعديد من الأسباب، وخاصة أنّ الفلم قد وضعنا في جوّ (رغم عدم دقة الأمر التاريخية) بأنّها إن لم تكن سعيدة بالجماع، فلن تصبح حبلى، وهو الأمر الذي كانت تريده مارغريت بشدة.
فالسياق الذي وضعتنا فيه القصّة أنّ مارغريت لم تكن تحبل من زوجها جان لأنّها غير مستمتعة معه، ولكن بعد أن اغتصبها جاك (رغم أن جاك ينكر حتّى اللحظة الأخيرة أنّه اغتصبها) باتت حبلى.

بين الماضي والحاضر
من الواضح أنّ هناك مشاكل دقّة تاريخية في الحكاية برمتها، وكأنّ الذين حولوها إلى سيناريو أرادوا أن يجعلوا مارغريت تنطق باسم امرأة معاصرة.
لكنّ هذه المشاكل لا تزيل اللغط الذي جعلنا نشعر به الفلم: هل استمتعت مارغريت بالاغتصاب؟ وإن كانت كذلك فلماذا اشتكت على جاك؟ وإن لم تستمتع فلماذا اقتنعت بأنّها حملت من جاك وليس من جان؟
تقول الناقدة سارة مكدوغال أنّ الفلم اخترع مشكلة العقم لدى مارغريت كنقطة رئيسية في الحبكة، ويفترض بهذا أن يدفعنا للتفكير: قد تكون مارغريت هي من أغوت جاك ليستغل غياب جان والخدم عن المنزل ويأتي إليها.
الهدف هنا كما يضع الفلم في سياق الأحداث: تريد أن تستمتع بالجماع، وبالتالي أن تنجب ولداً، وهذا الأمر – بسبب سمعة جاك كزير نساء يصل دوماً إلى مبتغاه – كان كفيلاً بجعلها مقتنعة بالأمر.

لماذا اشتكت؟
لكن يبقى السؤال: إذا كانت هي من أغوت جاك، فلماذا اشتكت عليه.
يجيب الناقد ديفيد بيري بالقول: السبب أنّها أرادت التخلّص من جان. فهي عبر إغواء جاك، ثمّ التشكي لجان، تكون قد ضربت عصفورين بحجر.
فهي بوصفها امرأة، لم يكن لديها صوت تشتكي من خلاله وهي تعلم ذلك، وعليها إذاً أن تشتكي من خلال "مالك أمرها" جان، والذي بدوره سيدافع عن شرفه بالاندفاع على طبيعته للقتال مع جان.
لدى مارغريت هنا، وهي التواقة لتكون أكثر من مجرّد أداة إنجاب، وتريد أن تدير ملكيتها، فرصة كبيرة بأن يُقتل جان على يد جاك، وبهذا ستصبح أرملة ولديها الصفة القانونية لإدارة الأملاك.
كما كتب بعض المعلقين، فهناك من أعاد لقطة وجه مارغريت أثناء الاغتصاب مرات ومرات ليحاول أن يؤكد أو ينفي المؤامرة التي حاكتها، ولكن وكما كتب الجميع: لا اتفاق.
يبدو أنّ عمل ريدلي سكوت يتحوّل إلى رائعة بسبب هذا الجدل، ففي نهاية الفلم هناك الكثيرون الذين يجادلون بأنّ جان رجل عصامي ومحترم ابتلى بصديق وزوجة سيئين. بينما يرى آخرون بأنّ جاك شخص محترم أغوته مارغريت ودقت إسفيناً بينه وبين جان بعد أن تصالحا. وقسم آخر يرى أن مارغريت شخص مقموع بالأعراف والتقاليد، وفي النهاية بعملية اغتصاب طُلب إليها أن تسكت عنها فرفضت.
هل هناك حقيقة هنا... ربّما، ولكن أين هي؟!
اقرأ أيضاً في “أكتر”
فيلم الشمالي «The Northman» مجرّد فايكنغ دموي آخر أم هناك جديد؟
الطفلة السويدية المتمردة التي منع الدكتاتوريون الحديث عنها في بلدانهم
