خبراء يقيّمون التطور التكنولوجي في السويد وأسبابه
تعد السويد واحدة من أكثر الدول المتقدمة تكنولوجياً، لدرجة أنها تسمى "وادي سيليكون أوروبا"، حيث يرمز مصطلح "وادي السليكون" بشكل أساس إلى مدينة سان فرانسيسكو وخليجها بوصفها المدينة الأولى من حيث معدلات بدء تشغيل الشركات التكنولوجية، ويعزا ذلك في السويد إلى أسبابٍ إيجابية عديدة، سنتحدث عنها في هذا المقال نقلاً عن بعض المدراء التنفيذيين والأخصائيين في السويد، مع بضع ملاحظات جانبية تمس بعض المشكلات من وجهة نظرهم.
خطة نشر أجهزة الكومبيوتر
ينسب مؤسس شركة كلارنا-Klarna للمداولات المالية، الملياردير سيباستيان سيمياتكوفسكي، نجاح شركته وغيرها من الشركات التكنولوجية الرقمية في البلاد، وبشكل مختصر وغير متوقع، إلى: دولة الرفاه الاجتماعي السويدية، حيث أشار على وجه الخصوص إلى سياسة وخطة الحكومة السويدية التي تبنتها في أواخر تسعينيات القرن الماضي بتأمين وجود أجهزة كومبيوتر منزلية لدى كل عائلة سويدية، وقال: "لم يكن من الممكن الحصول على أجهزة الكومبيوتر للأسر ذات الدخل المنخفض مثل عائلتي، ولكن عند بدء الخطة، اشترت لنا والدتي جهازاً في اليوم التالي".
ليبدأ سيمياتكوفسكي بكتابة البرمجة على هذا الجهاز حينما كان في عمر الـ 16، وبعد أكثر من عقدين من الزمن، أصبحت تقدر فيمة شركته كلارنا بـ 46 مليار دولار، وهي تخطط حالياً لأن تنطلق بعملها على النطاق العالمي، ورغم عدم تقديم أية تفصيلات من قبل الشركة حول هذا الأمر، إلا أن العديد من المصرفين يتوقعون بأنها ستتوسع أولاً في مدينة نيويورك في وقتٍ مبكر من العام المقبل.
/cloudfront-us-east-2.images.arcpublishing.com/reuters/4Z3SQ3WTA5MRPFF3JPCY7KT5PQ.jpg)
تمتين الاتصالات الرقمية
ويتشارك سيمياتكوفسكي مع العديد من المدراء التنفيذيين الآخرين في مجال التكنولوجيا ورؤوس الأموال بأن ما يفسر تحول العاصمة ستوكهولم إلى أرض غنية للشركات الناشئة، وولادة واحتضان شركات مثل Spotify وSkype وKlarna رغم كونها من أحد أكثر البلدان ارتفاعاً بمعدلات الضرائب، هو مسألتي وجود كومبيوتر في كل منزل، والاستثمار المبكر باتصالات الانترنت بالتوازي مع ذلك.
ففي السنوات الثلاث خلال تنفيذ خطة أجهزة الكومبيوتر بين أعوام 1998 و2001، تم شراء حوالي 850 ألف جهاز كومبيوتر، ما غطى نحو ربع عدد سكان البلاد في ذلك الحين والذي كان 4 ملايين أسرة، ولم يكونوا مضطرين لدفع ثمن الأجهزة، ليشمل الأمر العديد من الناس غير القادرين على تحمل تكاليفها.
فحينما تم تأسيس شركة كلانا في عام 2005، كان هناك 25 اتصالاً ضمن شبكة الانترنت العريضة لكل 100 شخص في السويد، مقارنة بـ 17 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان لا يزال اتصال الانترنت الهاتفي Dial-up هو السائد.
وإثر هذه الحال فقد استطاع سبوتيفاي من بث الموسيقى عبر الانترنت مباشرة للمستخدمين، بينما كان iTunes من شركة آبل لا يزال يعمل على صيغة تحميل الملفات الموسيقية أولاً، مما أعطى هذه الشركة السويدية اليد العليا حينما أصبح بث الموسيقى مباشرة هو القاعدة في جميع أنحاء العالم.

دولة الرفاه الاجتماعي
يتفق بعض المدراء التنفيذيين والاخصائيين في الشركات التكنولوجية بأن الدولة الاسكندنافية قد أثبتت أن شبكتها للأمان الاجتماعي عميقة حقاً، وغالباً ما كان ينظر إليها بوصفها معادية لروح المبادرات والابتكارات، وربما لم يتصور مهندسو دولة الرفاه الاجتماعي في السويد خلال خمسينيات القرن الماضي هذه النتيجة الإيجابية.
فرعاية الأطفال مثلا هي مجانية بمعظمها، بينما يمكن لمجموعة من صناديق التأمينات أن تحميك بحال فشل عملك أو فقدت وظيفتك مما يضمن لك حصولك على 80% من راتبك السابق لأول 300 من عطالتك عن العمل.
وقد قال جور أفاجيان، الشريك المؤسس لشركة Vaam الناشئة منذ 31 عام، وتقدم خدمة المراسلة عبر الفيديو في عروض المبيعات والتواصل مع العملاء: "إن شبكة الأمان الاجتماعي التي نمتلكها ف بالسويد أتاحت لنا بأن نكون أقل عرضة للمخاطرات".

معدل بدء التشغيل في السويد مقابل وادي السيليكون
على الرغم من أن الاستثمارات الاقتصادية عموماً هي أكبر في دول أخرى ضمن الاقتصادات الأوروبية كبريطانيا وفرنسا، إلا أن السويد تدفع بحدود قدراتها وتتفوق على نفسها في بعض الجوانب.
فوفقاً لدراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية في عام 2018، تمتلك السويد ثالث أعلى معدل بدء تشغيل للشركات في العالم، بعد تركيا وإسبانيا، بوجود 20 شركة ناشئة لكل 1000 موظف، وأعلى معدل بقاء واستمرارية لمدة 3 سنوات في أي مكان بالعالم بنسبة 74%،
ووفقاً لسارة غيموري من شركة رأس المال الاستثماري أتوميكو، والمؤلفة المشاركة بتقرير عام 2020 حول الشركات التكنولوجية الأوروبية، فإن العاصمة ستوكهولم تأتي في المرتبة الثانية عالمياً بعد وادي السيليكون (سان فرانسيسكو) من حيث عدد الشركات الناشئة التي تزيد قيمتها عن مليار دولار للفرد، أي بمعدل 0.8 لكل 100 ألف نسمة، بينما يفتحر وادي السيليكون بمعدل 1.4 لكل 100 ألف نسمة.

الضرائب واللغة
لا أحد يعلم بشكل أكيد إذا كانت هذه الحال ستستمر في بلد يتم فيه فرض ضرائب على أرباح رأس المال بنسبة 30%، وضرائب دخل تصل حتى 60%.
وقد قالت شركة سبوتيفاي في عام 2016 بأنها تدرس نقل مقرها الرئيسي لخارج البلاد بذريعة أن الضرائب المرتفعة أدت إلى صعوبة استقطاب المواهب والقدرات الأجنبية للعمل داخل البلاد، رغم عدم وجود تأكيدات لهذا الادّعاء.
ويقول يوسف أوزدالجا، الشريك في شركة رأس المال الاستثماري QED Investors بأن الوصول إلى إجراءات التمويل والمهام الإدارية أو القانونية المرتبطة بتأسيس شركة ما قد يكون أيضاً أمراً صعباً جداً بالنسبة لغير المتحدثين باللغة السويدية، مقارناً ذلك مع عاصمة هولندا أمستردام، حيث تعتمد اعتمدت الحكومة هناك اللغة الإنكليزية كلغة رسمية في شهر نيسان/أبريل بغية تسهيل الأمور والعمل للشركات العالمية.

