منصّة «أكتر» السويد
رغم أنّ أكثر من 2 مليون سويدي يعملون بأشغال بدنية، فنادراً ما نرى الإعلام يسلّط الضوء على تبعات ذلك. حاولت الكاتبتان أنيكا كارلسون بيرغدال Annica Carlsson Bergdahl وإليزابيث أولسون Elisabeth Ohlson تغيير ذلك في كتاب صادر حديثاً ومعرض فني.
سواء أكانت مهنتك عامل/ة غابات، أو ممرض/ة مساعدة، أو عامل/ة مخزن، أو سائق/ة شاحنة، أو أيّ عاملٍ بدنه هو أداة عمله الرئيسية، فهذا يجب أن يوحدك مع بقية العمّال السويديين البالغ عددهم 2 مليون.
تقول كارلسون: بدأت أفكر: أين هي الطبقة العاملة اليوم؟ إنّهم غير موجودين إطلاقاً، لا على الساحة الإعلامية، ولا في المجالات العامة. أردت أن أعرف أكثر عن هؤلاء الذين يذهبون للعمل بأبدانهم كلّ يوم، وكيف يشعرون. ما هو الثمن الذي يدفعونه من أبدانهم لقاء أدائهم لعملهم؟
أبدانٌ مرهقة
بدأت كارلسون مشروعها بالتنقل من مالمو إلى بقيّة أنحاء السويد لتلتقط صوراً للعمّال، مع التركيز على أبدانهم. كانت خطتها استخدام الصور والتعليقات النصيّة بمحاولة لإظهار حياة الطبقة العاملة الحقيقية.
كان واضحاً أثناء القيام بالمقابلات ومحاولات التقاط الصور، مدى السيطرة الهائل من قبل أصحاب العمل على العمّال لديهم. كان جميع من يعمل باستخدام بدنه كأداة، سواء أكان سائق باص أو شاحنة أو ممرضة، يشعر بأنّه مراقب طوال الوقت.
تقول كارلسون بأنّ هذه الرقابة كانت تزيد من حدّة الشعور بالضغط والتوتر لدى العمّال. إنّه الشعور الناجم عن كون أرباب العمل لا يثقون بعمّالهم، والنابع أساساً من عدم ثقة من يملكون المال بالمُفقرين. يترك هذا حملاً زائداً على أبدان العمّال، فيجعلهم منتجين أقل، وعرضة للمخاطر والضعف أكثر.

من بين 33 مشترك في مشروع كتاب كارلسون، لم يكن مسموحاً ولا لعامل بالمشاركة في التصوير أثناء العمل. والذين قرروا المشاركة، كانوا يفعلون ذلك خارج أوقات الدوام. جميع المشاركين تحمسوا للمشروع، فقد رأوا فيه مشروعاً يعاملهم بناء على السمة الرئيسية التي يتشاركونها: العمل بأجر.
تقول الممرضة مالين، وهي التي تتصدر غلاف الكتاب: «نحن الذين نعمل بأبداننا علينا الوقوف معاً كي تتحملنا هذه الأبدان».
قبضة أرباب العمل
بات لأرباب العمل اليوم سطوة أكبر من أيّ وقت مضى على العمّال. يترك هذا أبدان العمّال مثقلة أكثر من أيّ وقت مضى.
كان يُتوقّع من عامل الرعاية الصحية قبل عشرين عاماً أن يتولى أمر 6 حالات يومياً، أمّا اليوم، فبات مُطالباً بتولي أمر 20 حالة، ما يعني منح 20 دقيقة لكلّ شخص يحتاج المساعدة، بغض النظر عن كونها كافية من عدمه.
في الأعمال الصناعية كان يفترض بالآلات أن تسهّل عمل العمّال وترفع من إنتاجيتهم، لكن هذا لم يحدث، وبات الأمر أكثر إجهاداً بالنسبة للعمّال. تقول كارلسون بأنّ المصنع اليوم، رغم تحوّله إلى مكان (أكثر نظافة)، فقد حمل معه متطلبات أكبر وأكثر إرهاقاً للعامل.

إنّهم يركضون... ويسبقهم العمر
قامت الممرضة مالين بتصوير يوم عملها لصالح المشروع. كانت المفاجأة أنّها لا تسير، بل تقوم بالتنقل راكضة. كانت تركض متجاوزة أحدهم وهي تقول له: حسناً سأكون معك بعد خمس دقائق، ثمّ تنطلق لتتولى حالة تتركها زميلتها لتركض إلى أخرى.
تعاني الطبقة الوسطى من المشي 10 آلاف خطوة خلال يوم العمل، بينما يكون على العمّال الأدنى مرتبة أن يقطعوا 20 ألف خطوة خلال يوم عمل. تتمزق الأحذية في خطوط التجميع، ومعها تتمزق الأبدان.
يرى الكثير من هؤلاء عدم منطقية رفع سنّ التقاعد. كيف يمكن لعامل غابات أو لحام مثلاً، والذي يصاب بمشاكل في الكتف منذ سنّ الـ 35 أن يستمر في العمل حتّى الـ 70 من العمر؟ هل ننتظر أن تصبهم ذبحة صدرية من الإنهاك أثناء العمل؟ ألن يكون أفضل للجميع أن نعمل 6 ساعات فقط؟
تبدو الإحصاءات الصحية أكثر إنصافاً ودقّة. في الثلاثين عاماً الماضية سقطت توقعات الحياة لدى النساء من ذوي الدخل المنخفض، وبقيت لدى الرجال على حالها دون أن تزيد. بينما زادت توقعات الحياة بالنسبة لأصحاب الأجور الأعلى.

تقول كارلسون: إن كان لديك عمل مرهق، ومال قليل، فلن يكون لديك الوقت أو الإمكانية لتحسّن بدنك.
يمكن اليوم رؤية المدراء التنفيذيين وهم يتحدثون عن الماراثون وروحه، بينما يختفي العمّال وآلام بدنهم من (الماراثون) اليومي في العمل، من على الساحات الإعلامية.
هؤلاء العمّال يحملون خبرات عملهم بسعادة، وفخورين بما يعملون. مشكلتهم الوحيدة أنّهم ينفقون من صحّة أبدانهم في هذه الأعمال.
