أتعلمون أنّ قاتل المعلمتين فنان؟!

26 مارس 2022

3 دقيقة قراءة

أتعلمون أنّ قاتل المعلمتين فنان؟!

مشاركة:

الكاتب عروة درويش لصالح منصّة "أكتر"


تبدأ بقراءة الأخبار، فيظهر لك مراهق قام بقتل معلمتين، وكان على الأرجح يريد قتل المزيد، فيظهر عليك الحنق. ولأنّ رأسك مليء بالصور النمطية التي تظهر في الإعلام، يخطر لك شخص بهيئة إجراميّة «ربّما تعلو وجهه ندبة، أو عيناه حادتان مخيفتان». ثمّ يبدؤون بعرض صور وسيرة القاتل، لتكتشف بأنّه شابّ طبيعي، وفوق ذلك رسّام وكاتب شعر...

نصف إله!

يلقّب الشابّ القاتل نفسه على إنستغرام: فيدار Vidar. وفيدار يعني في أساطير أهل الشمال الأقدمين: إله الصمت والانتقام والعدالة، والإله الذي يجسّد الطبيعة البدائية التي لم يمسّها الشر.

هل كان فابيان يؤمن بأنّه إله يجب أن يحقق العدل؟ أم مجرّد «طفل» يهوى الأساطير ويرى في نفسه قوّة خارقة؟ وإن كان يؤمن بأنّ من واجباته تحقيق العدل، فما هو الصواب والعدل الذي يرنو إليه؟

نحتاج هنا أكثر من التخمين، لكن إن كان «عنصرياً» يرى تحقيق العدل عبر قتل العرب أو غير الشقر، مثل برايفيك النرويجي، فيجب أن نحمد الله على عدم قدرته على إتمام مخططه وإحداث مذبحة، ونشعل شمعتين للمعلمتين الضحيتين اللتين أنقذتا بتدخلهما بقيّة التلاميذ.

سريالي

 وأنا أتصفّح رسومات فابيان، تذكرت أعمال السرياليين أمثال سلفادور دالي، أو ربّما الأكثر رعباً ودموية وعصريّة أمثال ماريا روبينكه Maria Rubinke:

عمل للفنانة Maria Rubinke
عمل للفنانة Maria Rubinke

خطر لي: هل جميع من يتمكن من رسم فنّ مربك بهذا الشكل مضطرب عقلياً بالضرورة؟ أم أنّ العالم الذي نعيش فيه مضطرب كفاية بحيث تنبع عبقريتهم من إدراكه، بينما نحن المشاهدون من بعيد لا يمكننا ذلك؟

لم أجد إجابة على سؤالي، ولكنّه حفّز لديّ سؤالاً آخر: هل كان لأحد أن يتنبأ بتصرفات فابيان الإجرامية قبل أن تقع عبر متابعة رسوماته وكتاباته؟

ثمّ عدت لإلقاء نظرة على رسومات فابيان مرّة أخرى، قلّ تقديري لها. كلّ من شاهد مسلسلات «الإنمي» اليابانية ولو مرّة، سيرى بأنّ رسمات فابيان هي جزء من ذلك العالم: أجسام خارقة بعضلات بارزة، جماجم وهياكل عظمية، خيول وحيوانات بعضلات...الخ

لا أدري إن كان فابيان من متابعي «هجوم العمالقة»، لكن لا يبدو بأنّ إبداعه يخرج عن متابعات هذا العصر، مع فارق أنّه يُحسن الإمساك بالقلم.

الأدب ثنائي القطب

قرأت مرّة بأنّ جزءاً من إبداع الأدباء يعود لإصابتهم باضطرابات عقليّة أبرزها اضطراب «ثنائي القطب»، حيث يعانون من تقلبات مزاجيّة تجعلهم يميلون إمّا للإفراط في الحماسة «الهوس» أو الإفراط في الاكتئاب.

أكّد لي أحد الأصدقاء ذلك، وهو مخرج سينمائي مشخّص «باضطراب ثنائي القطب»، فقال بأنّه من دون الهوس والإفراط في الحزن، لم يكن أحدٌ ليتمكّن من إنتاج فنّ يمكن تقديره، ولأصبحت الأعمال غبيّة بلا طعم.

السؤال الآن: هل فابيان مبدع مصاب باضطراب عقلي دفعه لارتكاب جريمته في لحظة «هوس». لا يمكنني الادعاء بقدرتي على التشخيص النفسي، ولكن يمكنني القول بأنّ لي القدرة على تقييم الأدب الجيّد من الرديء.

كتب فابيان على إحدى لوحاته: «الانتحار الأرق: بينما كنت أرقب الشاحنة العسكرية مُسرعة داخل الامتداد الترابي والعشبي، رفعت بندقيتي وأطلقت النار في الهواء بسعادة. صرخت "ليحيا الملك" آملاً باستعادة وطنيتي في أمّة منهارة في هذه الأوقات المروعة. ثمّ بعد تقدّم المركبة لعدّة أمتار، انفجر وجه كائن من تحت الصخور والأشجار المحيطة بنا. يمكنني القول بأنّ جمجمته وحدها قد فاقت حجم الشاحنة عشرة أضعاف أو أكثر، وأنّ هيكل وجهه مربك ولا يمكن وصفه دون الإغماء...قام الكائن بفعل شيء لا يمكنني نسيانه: أظهر أسنانه الحادة، وابتسم راضياً، ولكن متعطشاً للدماء. استدرت ووجدت أحد هؤلاء العمالقة... شعرت كما لو لم يبقَ شيءٌ لأخسره. لذلك وضعت سبطانة المسدس في فمي، وسحبت الزناد».

في الحقيقة، لا يمكنني اعتبار ما كتبه فابيان «إبداع شعري» فهو لا يرقى لذلك بالتأكيد. لكنّه بإرفاقه بالصورة، يصبح شيئاً يستحق القراءة بالتأكيد. مع أنّ الهوس بالعضلات، وصور فابيان الشخصية وهو يتمرّن، لن تسمح لك بأخذه على محمل الجد.

في الختام...

بالنسبة لي قد لا يتميّز فابيان عن بقيّة المراهقين بالكثير، فبعض الاضطراب جزء من المراهقة الطبيعية. 

لكن إن قمنا بوصل أجزاء الأحجية: نصف إله + رسومات مربكة + مقتطفات أدبيّة تميل للانتحار، فربّما كان بالإمكان توقّع ما كان، أو على الأقل مراقبة فابيان عن قرب أكثر لتجنّب ما كان.